تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو على كل حال إنذار مقابل لما ذكر من فرحهم بالتخلف، مثبت أنه فرح عاقبته الحزن والكأبة والخيبة والندامة، في الدنيا، ويوم القيامة

وفي معنى الآية قوله صلى الله عليه وسلم (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)

خامسا: وقال بعضهم: إن الأمر هنا للتكوين، والمعنى على هذا: فليكونوا بقدرتنا وتقديرنا قليلي الضحلك كثيري البكاء، لأن سبب سرورهم وفرحهم بتخلفهم وتفافهم قد زال، وأعقبه الفضيحة والنكال، ويؤيد كونه تکوينيا قدريا لا تكليفيا شرعيا جمله عقابا جزائيا لهم على عملهم بقوله: (جزاء بما كانوا يكسبون) فهو الجزاء من جنس العمل، وهو الجزاء العادل الدقيق، وكما بدين المرء يدان.

حرمانهم من شرف الجهاد حماية للصف هؤلاء الذين أثروا الراحة على الجهد. في ساعة العسرة. وتخلفوا عن الركب في أول مرة هؤلاء لا يصلحون لكفاح ولا برجون لجهاد، ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي، ولا أن بتاح لهم شرف الجهاد الذي تخلوا عنه راضين.

ومن ثم يبين الله للنبي موقفه منهم - إذا هو رجع من غزوة تبوك. وما يجب لهم من الجزاء الذي يعاملون به في الدنيا قبل الآخرة، مما يتقضى انقضاء عهد فرحهم وغبطنهم في دنياهم بالتمتع بأحكام الإسلام الصورية، والمعنوية

فإن رجعله الله إلى طائفة منهم فاستأذونك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا ولن تقاتلوا معي عدوا، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فأقعدوا مع الخالفين).

آن من هؤلاء المتخلفين من تخلف لا عن شك في دينه، أو ارتياب في عقيدته، ولكن قعد به فتور همنه أن يلحق بالركب، وأن يجمع عزمه المشتت ليقطع حبال التردد العالقة به، فلما أن فاتته الفرصة، ولم يعد في استطاعته أن يلحق بالجيش المجاهد استبد به الندم واستحولت عليه الحسرة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، كالثلاثة الذين خلفوا، والذين اعترفوا بذنوبهم

ومن هؤلاء المتخلفين من تخلفوا عن نية فاسدة وعقيدة منافقة، ودين مريض، فهؤلاء هم المنافقون حقا، وهم الطائفة التي تشير إليها الآية .. انهم يريدون أن يحتفظوا بمكانهم في المسلمين، وأن يأخذوا موقفهم مع المجاهدين، فإذا كانت الشقة بعيدة والحر شديدا أو البرد فارما نباطأوا وجاءوا بالمعاذير، والعلل، وإن كانت الشقة قريبة والمغانم دانية أخذوا مكانهم في صفوف المسلمين (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشفة). وليست هذه سبيل المؤمنين المجاهدين، وإنما سبيلهم قائمة على نية منعقدة أبدا على الجهاد والإستشهاد في سبيل الله، ومن كانت تلك سبيله، وهذه غايته، فإنه لا ينظر إلى نفسه، ولا بعمل حسابا لمغنم أو مغرم، وإنما حسابه كله مضاف إلى الإنتصار لدين الله، والإعزاز لكلمة

الخير،

والمعنى: فإن ردك الله. أيها الرسول. من سفرك هذا إلى جماعة المنافقين المتخلفين

503

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٥٤