تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو أنهم عقلوا هذا فقهوه لما اشتروا عذاب الآخرة بلفحات الهجير هذه التي يخشون القاءها في طريقهم إلى الجهاد، ولما خالفوا وقعدوا، ولما فرحوا بقعودهم إذا أجرموا فقعدواء بل الحزنوا واكتأبوا، وبكوا وانتحبوا، كما فعل المؤمنون الذين أرادوا الخروج والنفقة فعجزوا، ولكنهم قوم لا يفقهون .. وفي هذا أكبر عبرة لمن يتركون الجهاد وغيره من الواجبات ايثارة للراحة والنعيم، وما يفعله في حال وجويه عليهم إلا المنافقون

وأجهل الناس من صان نفسه عن أمر يوقعه في ورطة عظيمة هي أشد وأخس، ولم يعلم أن بعد هذا الدار دارا أخرى، وبعد هذه الحياة حياة الآخرة، وأن هذه المشنة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة، ولبعضهم مسرة أحقاب تلقيت بعدها

مساءة يوم أربها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة

وراء تقضيها مساءة أحقاب (؟)

فرح لن يطول وحزن لن يزول انهم فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وقالوا لا تنفروا في الحر. واتهم له وهنأهم هذا الفرح، ولن يطول مقامهم في ظل هذه العافية التي هم فيها، فما هي إلا أيامهم الأبقية لهم في هذه الدنيا، ثم إذا هم في العذاب الأليم الدائم (لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) .. انه الضحك في هذه الأرض وأيامها المحدودة، وانه لبكاء في أيام الأخرة الطويلة (وان يومك عند ربك كألف سنة مما تعدون).

فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) وفي هذا الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء وجوه:|

أحدها: وهو المختار عند الأكثرين. أن هذا هو الأجدر بهم بل الواجب عليهم بحسب ما تقتضيه حالهم، وتستوجبه جريمتهم لو كانوا يفقهون مافاتهم بالتخلف والخلاف من أجر، وما يحملون في الآخرة من وزر، وما يلاقون في الدنيا من خزى وضر.

وفي البحر) ... ويحتمل أن تكون صفة حالهم أي هم لما هم عليه من الخطر مع الله وسوء الحال بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلا، وبكاؤهم كثيرا من أجل ذلك، وهذا يقتضي أن يكون ولث، الضحك والبكاء في الدنيا

ثانيا: أن هذا ما يكون من أمرهم في الدنيا، فلن يطيب لهم فيها عيش بعد أن هتك الوحي استارهم، وكشف عوارهم، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمعاملتهم بما يقتضيه فاقهم، وعدم الإعتداد بما يظهرون من إسلامهم.

ثالثا: ان المراد بالضحك القليل ما سيكون منهم في الدنيا بعد الفضيحة، وهو قليل بالنسبة إلى ما كان من ماضيهم مع المؤمنين وبالنسبة إلى حياتهم في هذه الدنيا، وبالبكاء الكثير الذي سيكون منهم في الآخرة.

رابعا: أن قوله، فليضحكوا قليلا) اشارة إلى مدة العمر في الدنيا، (وليبكوا كثيرا) اشارة إلى تأبيد الخلود (8).

502

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٥٣