تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورضى قلب واطمئنان ضمير، ورغبة في المساهمة في الجهاد،، كل على قدر طاقته وكل على غاية جهده .. ذلك أنهم لا يدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة لا يدركون حساسة الضمير الى لا تهدأ الا بالبذل عن طيب خاطر، لا يدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعثت انبعاثا ذاتيا لتلبي دواعي الايمان والتضحية والمشاركة .. من أجل هذا نرى أنهم لا يكفيهم أنهم كفوا أيديهم عن الجهاد في سبيل الله وغلوها عن الأنفاق في وجوه الخير، بل جعلوا يترصدون المنفقين ويتخذون منهم مادة للهزؤ والسخرية، سواء المكثرون منهم والمقلون .. فالذين بسط الله لهم في الرزق من المؤمنين، فبسطوا أيديهم بالبذل في سبيل الله، وجاءوا بالكثير من أموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء هؤلاء هم عند الجماعة المنافقة مراؤون لا بطلبون بما انفقوا الا أن يظهروا في الناس، والا أن يكونوا حديث المنحدثين وأما الذين فصرت أيديهم عن العطاء الكثير فأعطوا ما وسعهم الجهد، وجاءوا بما ملكت أيديهم فإنهم لم يسلموا من تلك الألسنة المنافقة، اذ جعلوا منهم مادة سخرية واستهزاء وتندر فيقولون فيما قالوا: ماذا تفنى الحفنة من التمر التي جاء بها فلان وماجدوى هذه الكسرات من الخبز التي جاء بها فلانة وما هذا الثوب الخلق الذي بذله فلان؟ أن هؤلاء لم يفعلوا ما فعلوا من هذا العبث إلا ليذكروا مع المتصدقين وإلا ليذكروا بأنفسهم اذا وقعت للمسلمين غنيمة وأصابهم

قال الرازي: ثم أن أولئك الجهال من المنافقين ماكان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور فعبروا ذلك الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة وذلك التعبير من وجوه

أن يقولوا: أنه لفتره محتاج إليه فكيف بتصدقي به؟ إلا أن هذا من موجهات الفضيلة كما قال تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (4)

2. أن يقولوا: أي أثر لهذا القليل؟ وهذا جهل، لأن هذا الرجل لما لم يقدر الا عليه، فإذا جاء به فقد بذل كل ما يقدر عليه، فهو أعظم موقعا عند الله من عمل غيره لأنه قطع تعلق قلبه عماكان في يده واكتفى بالتوكل على مولاه، وقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير أعظم موقعا عند الله من الكثير الذي يأتي به الفني.

أن يقولوا: إن هذا الفقير انما جاء بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس في هذا المنصب، وهذا جهل لأن سعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخبر والدين خبر له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل، والبطالة) (4)

وهكذا يكبد المنافقون للإسلام، ويحاولون جاهدين أن يفسدوا كل صالحة فيه بجرحون صاحب الكثير لأنه يبذل كثيرا، ويحتقرون صاحب القليل لأنه ببذل قليلا، فلا يسلم من تجريحهم وعيبهم أحد من الخيرين،، ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الابدي شحيحوا الأنفس، لا ينفقون إلا رياء ولا يدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير ..

جزاء المنافقين اللامزين، ومن ثم يجبهم الرد الحاسم الجازم لبيان جزاء هؤلاء اللامزين الساخرين .. (سخر الله منهم ولهم عذاب اليم) 1)

82

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٣٦