تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما من سيئة قدمها الإسلام لهم ينقمون عليه هذه النقمة من أجلها، اللهم إلا أن يكون الفني الذي غمرهم بعد الإسلام، والرخاء الذي أصابهم بسببه هو ما ينقمون .. وهكذا أصحاب الطباع السيئة، والنفوس المريضة تنقلب حقائق الاشياء عندهم، فإذا النور ظلام. والحق باطل .. والنعمة نقمة، والله سبحانه وتعالى يقول في مثل هؤلاء الحمقى والسفهاء من الناس: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا فوعهم دار البوار (1)

انظر كيف جاء النظم القرآني (وما تقموا الا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) ليكشف بذلك عما بلغه القوم من سفه وضلال حتى أنهم ليجدون في النعم التي بنفضل الله عليهم بها ما يحرك في نفوسهمه داعية الانتقام ممن أنعم عليهم، حتى لكأن هذه النعم شرقد سيق إليهم وبلاء قد وقع بهم.

الحكم الفاصل في التوبة والتولي

ثم بعقب على هذا التعجيب من أمرهم بعد كشف خبيآتهم بالحكم الفاصل مرسلا إلبهم سحان مزنة تمطر أرضهم المجدبة، وملوحا لهم باشارات مضيئة تطلع في ليلهم المطبق عليهم رجاء أن يتوبوا إلى الله ويستقيموا على الطريق الحق .. فبعد هذا الحشد الضخم من أعمال النفاق، وأقواله، ومساويه المدنسة للأرواح، بظل باب التوبة مفتوحا على مصراعيه، فمن شاء لنفسه الخبر فليدلف إلى الباب المفتوح، ومن أراد أن يمضي في طريقه الأعوج فالعاقبة كذلك معروفة .. العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وانعدام الناصر، والمعين في هذه الأرض) وان شاء أن يختار، وهو وحده الملوم ..

فإن يتوبوا بك خيرا لهم، وأن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ومالهم في الأرض من ولى ولا نصير) ..

والخيرية للتائبين منهم تكون في الدنيا والآخرة بدليل مقابلة في الجملة التالية:

أما في الدينا فيما فيه من الفوائد الروحية، والعلمية بالايمان بالله والتوكل عليه والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر النعمائه، وعلو المهمة، والتوجه إلى سعادة الآخرة ومعاشرة الرسول الأعظم، ومشاهدة ما حجبه التفاق عنهم من أنواره ومعارفه، وفضائله.

ومن الفوائد الاجتماعية: بإخوة المؤمنين ومافيها من الود الخالص، والوفاء الكامل والإيثار على النفس، وغير ذلك من مزايا التعاون، والاتحاد، وأما في الآخرة فيما تقدم قريبا من وعد الله المؤمنين

والعذاب الأليم للمصرين على النفاق، المتولين عما دعوا إليه من التوبة يكون أيضا في الدنيا والآخرة، وأما في الدنيا فيمثل ما تقدم من قوله تعالى (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما بريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) (14) وقوله بعده في وصف ما يلازم قلوبهم من الفرق (لو بجدون ملجأ أومغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمعون) (1) وفي معناه (يحسبون كل صيحة عليهم) فهم في جزع دائم وهم ملازم، وكذلك حرمانهم من كل ولي، وتصير في هذه الأرض كلها وأما في الآخرة فحسبك ما تقدم آنفا من وعيد المنافقين، والمنافقات.

47

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤٣٠