تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الماضين ولا عبرهم إلا من تنفتح تذكر، وتعميها النعمة فلا تنظر، وما تنفع عظات الماضين ولا

برهم الا من تتفتح بصائرهم لادراك سنة الله التي لا تتخلف ولا تتوقف ولا تحابي أحدا من الناس وان كثيرا ممن يبتليهم الله بالقوة وبالنعمة لتغشى بصائرهم وأبصارهم غشاوة، فلا ببصرون مصارع الأقوياء قبلهم، ولا يستشعرون مصير البغاة الطغاة من الغابرين .. عندئذ تحق عليهم كلمة الله، وعندئذ تجرى فيهم سنة الله، وعندئذ يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وهم في نعمائهم ينقلبون، وبقوتهم يتحايلون .. والله من ورائهم محبط.

أنها الغفلة والعمى والجهالة، تراها تصاحب القوة والنعمة والرخاء، نراها في كل زمان وفي كل مكان، إلا من رحم الله من عباده المخلصين.

وإنما ذكر هؤلاء الطوائف السنة لأن نبأهم. لا محالة. قد أتي العرب .. تارة بأن سمعوا هذه الأخبار ممن وفد إلى بلادهم من خارج، وتارة لأن بلاد هذه الطوائف. وهي بلاد الشام فيما عدا عادا فكانت بالأحقاف جنوبي الجزيرة. قريبة من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة

والمراد من ضرب هذا المثل للكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من المجاهرين والمنافقين: أن سنة الله في عبادة واحدة، لا ظلم فيها ولا محاباة، كأنه قال: أفأمن هؤلاء المنافقون الذين يستهزئون بالله أن يسلك بهم في الانتقام منهم وتعجيل الخزي والنكال لهم في الدنيا سبيل اسلافهم من الأمم الماضية؟ فإذا لم يتوبوا فلابد أن يحل بهم من العذاب حل بأمثالهم من أقوام الرسل كما قال تعالى في سورة القمر (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزير) (2)

وليس لكفار هذه الأمة عهد بالنجاة، ولا هم خير من السابقين .. فقد أهلك الله تعالى أكابر الجاحدين المعاندين منهم في أول غزوة هاجموا المسلمين فيها وهي غزوة بدر، ثم خذل الله من بعدهم في سائر الغزوات، وأخرج الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ديارهم (وقذف في قلوبهم الرعب بخربون بيوتهم بأيديهم وأبدى المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار) ثم صار الناس يدخلون في دين الله أفواجا

وأما المنافقون فمازالوا يكيدون له في السر حتى فضحهم الله تعالى بهذه السورة في أخر الأمر فتاب أنكرهم، ومات زعيمهم عبد الله بن أبي بغيظه وكفره، ولم تقم للنفاق قائمة من بعده، ولو بقي لهم قوة يكيدون بها للإسلام لما خفي أمرها على المؤرخين.

فخر قوم محمد صلى الله عليه وسلم بهذا التمحيص خير أقوام النبيين، نشر الله تعالى بهم اعلام هذا الدين، فسادوا به جميع العالمين، ولولا ما أحدثه الروافض المنافقون، والخوارج المغرورون من الشفاق بين المسلمين ليست سيادة الإسلام جميع العالمين.

سمات المؤمنين وسلوكهم المستبع لثوابهم وفي مقابل المنافقين و الكفار يقف المؤمنون الصادقون .. طبيعة غير الطبيعة، وسلوكا غير السلوك، ومصيرا غير المصير، وأنه لما يضاعف حسرة المنافقين ويزيد في بلادهم أن يطلع عليهم المؤمنون في هذا الموكب العظيم، الذي بحفه الجلال والاكرام، ويتغشاه النعيم والرضوان

411

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٤١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٤١٥