وسلطان، استمتع كل بخلاقه وينصيبه المقسوم له، وبحظه المتاح له كثيرا وإن قليلا، فقد كان مطلبهم من أعمالهم وسعيهم التمتع والتنعم بنصيبهم وحظهم الدنيوي من الأموال والأولاد، لم يكن لهم مطلب ولا غرض من الدنيا إلا التمتع بعظمتها، تطفيهم بها القوة، وبلدتها نفربهم بها الثروة، وبزينتها تفرحهم بها كثرة الذرية، لأنهم لم تكن لهم مقاصد شريفة عالية من الحياة سواها،، كالذي يقصده أهل الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة من اعلاء كلمة الحق وإقامة ميزان العدل في الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. بل كان خلافهم كخلاق السباع والأنعام، لا هم لهم إلا العدوان واللذات البدنية، والتناسل، ثم ذهبوا وذهب كل ما كان لهم وما كان معهم، وانتهى كل إلى نهايته، وصار كل ما قدم من خير أو شر، وقد كانوا أكثر مالا وزقوي قوة وأعز نفراء
ومع ذلك فقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم وفعلتم فعلهم في الاستمتاع بخلافكم من القوة والأموال والأولاد سواء، لم تفضلوا عليهم بشيء من إرشاد كلام الله وهدي رسوله في الفضائل والأعمال الصالحة التي تتزکي بها الأنفس البشرية و تكون بها أهلاً للسعادة الدنيوية والأخروية، فكنتم أجدر بالملازمة والعقاب منهم، لأنهم أوتوا من القوة المطفية، والأموال المبطرة، والأولاد الفاتنة فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله تعالى ما رأيتم، ولاسمعوا من حكم كلامه، وشرائعه ما سمعتم، ولا نصب لهم من المثل الأعلى لهداية رسله ما نصب لكم مهدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله نزل عليه أحسن الحديث وأفضل الكتب واكمل به الدين، وجعله خاتم النبيين .. وخضتم في حمأة الباطل كالخوض الذي خاضوه من كل وجه على ما بين حالكم وحالهم من الفرق الذي كان يقتضي أن تكونوا أهدى منهم فلستم. أبها الكائدون للنبي المحادون لله ورسوله، لستم. بدعا في الناس، ولن تخرجوا على سنة الله التي
خلت في عباده، فلن تغني عنكم أموالكم، ولا أولادكم من الله شيئا، وانكم لتأخذون حظكم المقدور لكم مما في أيديكم من مال وولد، ثم تلحقون بمن سبقكم إلى عالم الموت، وتنتظمون في ركب الضالين، والمكذبين، لتقفوا بين يدي الله وتنالوا الجزاء الذي أنتم أهله .. فاحذروا عافيتهم، وانظروا إلى مصيرهم
(أولئك (10) حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) وبطلت بطلانا أساسيا، لأنها كالنبتة بلا جذور لا تستقر، ولا تنمو، ولا تزدهر فلم يسلم لهم منها شيء.
حبطت أعمالهم الدنيوية في الدنيا فكان ضررها أكبر من نفسها لهم لاسرافهم فيها وافسادهم في الأرض أو هي فشلهم وخيبتهم فيما كانوا يكيدون للمؤمنين، وحبطت أعمالهم الدينية في الأخرة من العبادات، وصلة الرحم، ومنع المعروف، وقرى الضيوف، والصدقة، فلم يكن لها أجر يدخلهم الجنة، ولم تدفع عنهم عذاب الله الذي أعده لهم وأنزله بهم لأنها كانت لأجل الريا، والسمية، وحب الظهور الشتاء، ولأجل أن يعاملوا معاملة المسلمين وتجرى عليهم أحكامه، لم تكن إن فعلوها لأجل أن يزكوا بها أنفسهم ولا أن يرضوا الله عز وجل، ولا أن بريدوا بها وجه الله، ولا أن يطلبوا بها ما عند الله لأنهم لا يؤمنون بالله ولا يتعاملون مع الله
(وأولئك هم الخاسرون) الذين خسروا كل شيء على وجه الاجمال بلا نحديد ولا تفصيل.
42 A