الذي بلفح وجوههم، والحرارة التي تنضج جلودهم، والحسيم الذي يصهر ما في بطونهم، والزقوم طعام الأثيم، والضريع الذي لا يثمن ولا يعني من جوع، والباطن الذي يعبر عنه بقوله تعالى في الحطمة،، (التي تطلع على الأفئدة) .. فهذا النوع من العذاب المقيم: ان كان في الدنيا فهو ما يلصق بقلوب المنافقين من خوف الفضيحة، وما تقدم في قوله تعالى (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و غير ذلك من تعذيب الضمير والوجدان، ولكل طائفة من الكفار عذاب دنيوى مقيم بحسب حالهم، ولاسيما المعطلين منهم الذين لا هم إلا في لذات الدنيا، فكل ما يفوتهم منها أو ينغصها عليهم لهم في عذاب، لا يشعر به المؤمنون الراضون بقضاء الله الصابرون على بلائه الشاكرون لنعمائه، وإن كان في الآخرة فهو حرمانهم من لقاء الله تعالى وكرامته والحجاب دون رؤيته. |
ضرب المثل بالأولين ليعتبر الآخرون هذه الطبيعة الفاسفة المنحرفة الضالة ليست جديدة، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال .. ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز، ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويم بعدما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض، وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فلم يغن عنهم من ذلك كله شيئا .. أنها الفتنة بالقوة والفتنة بالأموال والأولاد، فأما الذين اتصلت قلوبهم بالقوة الكبرى فهم لا يفتنون بالقوة العارضة التي تخول لهم في الأرض، لأنهم يخشون من هو أقوى، فينفقون قوتهم في طاعته واعلاء کلمنه، وهم لا يفتنون بالأموال والأولاد، لأنهم بذكرون من أنعم عليهم بالأموال والأولاد، فيحرصون على شكر نعمته، وتوجيه أموالهم وأولادهم إلى طاعته، وأما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يبطرون ويفجرون في الأرض، ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام .. والقران يذكر القوم بما كان من أسلافهم ويبصرهم بأنهم يملكون طريقهم، ويحذرهم أن يلاقوا مصيرهم لعلهم يهتدون
(كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا فاستمتعوا بخلافهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمنع الذين من قبلكم بخلاقكم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون)).
أنتم أيها المنافقون المؤذون الله ولرسوله والمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خلوا من قبلكم في أقوام الأنبياء، وتلك صورة من صور الضالين المفسدين نطلع عليكم من ثنايا الزمن الغابر وترتفع إلى بصائركم وأبصاركم لنعتبروا بها، فأنتم مفتونون بأموالكم وأولادكم مغرورن بدنياكم، كما كانوا مفتونين بأموالهم وأولادهم، ولكنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا) وأنتم لن تخلدوا في هذه الدنيا كما لم يخلد من كان قبلكم من الماضين ممن كانوا أكثر منكم أموالا وأولادا وأشد قوة وأمكن سلطانا .. فليست هذه الدنيا دار بقاء وخلود، وليس ما فيها من متاع إلا ظل زائل وعرض ذاهب، ثم يجيء من بعد هذا الحساب والقضاء والجزاء.
لقد استمتع هؤلاء الذين ذهبوا بما كان بين أيديهم من مال وبنين، وبما كان لهم من جاه