وفي الآية التالية لهذه الآية بيان لضرب آخر من استهزائهم في هذا المقام من سباق غزوة تبوك، فالاستهزاء دأبهم وديدنهم، وحذرهم لتنزيل السورة، ليس من هذا الإستهزاء بل من خوف عاقبته .. وإنما العجب من أمرهم استمرارهم عليه مع هذا الحذر .. وأما أمرهم به فهو للتهديد والوعيد عليه، وبيان كونه سببا لإخراجه تعالى ما يحذرون ظهوره من مخبأت سرائرهم ومكنونات ضمائرهم، والأصل في الإخراج أن يكون للشيء الخفي المستتر فالله سبحانه وتعالى مخرج إلى الوجود ما أمسكته قلوبهم، وما انطوت عليه نياتهم وانعقدت عليه دخائلهم من نفاق، أو مخرج ما بحذرون من أنزال السورة فيهم.
الهذر في مسائل الدين نفاق
وأمر واحد هو الذي يضمن لصاحبه الأمن والسلامة من هذا البلاء المبين، وهو أن يتخلص من النفاق جملة، وأن يخلص إيمانه من كل شائبه نفاق، وأن لا يستهزئ بالإسلام ولا برسول الإسلام، وعندها يجد الإنسان أن سره وعلانيته على سواء، وانه لا بسوءه بحال أبدا أن ينكشف للناس باطنه كما انكشف لهم ظاهره .. فهل كلف المنافقون أنفسهم هذا الأمر الهين اليسير؟ كلا، انهم على العكس من ذلك أمعنوا في السخرية والعيب .. ففي أثناء سيرهم .. ففي أثناء سيرهم إلى تبوك أخنوا يستهزئون برسول الله لتصديه لقتال الروم الذين ملأ صيتهم بلاد العرب بما كان تجارهم يرون من عظمة ملكهم في الشام، إذ كانوا يرحلون إليها في كل صيف .. ولقد نبأ الله رسوله بما كان يقول هؤلاء المنافقون نبا مؤكدا بعينة القسم فقال: (ولئن سألتهم ليقولون انما كنا نخوض ونلعب قل أبا الله وأبائه ورسوله كنتم تستهزئون؟) .. وهو كشف عن وجه آخر من وجوه النفاق التي يظهرون بها في الناس، وهو أنهم إذا ضبطهم القرآن متلبسين بجريمة من جرائمهم المنكرة، أو سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عم انكشف من مستور تدبيرهم السيء، وما جرى على ألسنتهم من هزر وسخرية برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالمؤمنين قالوا معتذرين: لم نكن نجادين فيما كنا فيه، ولا منكرين، وإنما هو لعب وعبث وفاكهة، وهكذا المنافق لا يجد ما بستر به نفاقه إلا الكذب، فهو كذب يستر كذبا وتفاق بيداري نقافا.
سبب النزول:.
وقد وردت عدة روايات عن حوادث معينة في سبب نزول هذه الآية: قال أبو منذر المديني عن محمد بن کعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا واكذبنا السنة وأجبننا عند اللقاء بقصدون قراء القرآن، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. إلى قوله. كانوا مجرمين، وان رجليه لنسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ..
وقال محمد بن اسحق؛ وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت اخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير، يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض:
ا. 443