تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في شأنهم، شأن المنافقين، تخبرهم بمخازنهم ومصماويهم ومثالبهم، وتشبثهم بما في قلوبهم من الأسرار الخفية، فضلا عما كانوا يظهرونه فيما بينهم خاصة من أقاويل الكفر والنفاق، والمراد أنها نذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم فينشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة إذاعة ظاهرة، فكأنها تخبرهم بها، وإلا فما في قلوبهم معلوم لهم .. والمحذور عندهم اطلاع المؤمنين عليه أو علم الرسول به .. فالمقصود من ذلك اللازم، وهو فضيحتهم وكشف عورتهم، وبيان شكهم وارتيابهم، وقريصهم الدوائر بالمسلمين، وانذارهم بما قد يترتب على ذلك من عقابهم، وكل ذلك قد كان ووقع.

بل إن الأمر أكثر من هذا، فقد فضح الله كثيرا من المنافقين، ونزلت آيات الله تحدث بما كان بيسر به بعضهم إلى بعض، بل ربما كان لا يزال مضمرا من السوء في صدورهم، لم يطلع علبه أحد بعد .. ومن هنا كان بلاء المنافقين، وكان الخوف الذي يطل عليهم من حيث لا يحتسبون، فالله تعالى مطلع على ما يدور بينهم، عالم بما يجري في خواطرهم، ومعال أن يفلتوا من الفضيحة، ولهذا سميت السورة الفاضحة والمثيرة والمبعوثة إلى أخر ما تقدم في أسماء السورة. وفي القرابي: قال الحسن: كان المسلمون بسمون هذه السورة الحفارة، لأنها حضرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته (19).

اعتراض ورده

فإن قلت: إن حذر المنافقين من انزال سورة غير متوقع إذ كيف يصدر هذا الحذر من) وهم غير مؤمنين بالوحي؟

وأنا على هذا الأشكال ردان، أولهما لأبي مسلم، الثاني للجمهور

أجاب أبو مسلم عنه بأنهم أظهروا الحذر استهزاء وأجاب الجمهور بما حاصله أن أكثر المنافقين كانوا شاكين مرتابين في الوحي ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا موقنين بشيء من الإيمان ولا من الكفر، فهم مذبذبون بين المؤمنين الموقنين والكافرين الجازمين بالكفر، ومنهم من كان شكه قويا، ومن كان شكه ضعيفا، وهذا الحذر والاشفاق اثر طبيعي للشك والارتياب،، فلو كانوا موقنين بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم لما خطر لهم هذا الخوف على بال، ولو كانوا موقنين بتصديقه لما كان هناك محل لهذا الخوف والحذر، لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان،

واستدل أبو مسلم بهذا الجواب (قل: استهزئواء ان الله مخرج ما تحذرون) على أن المنافقين أظهروا الحذر مما ذكر أستهزاء، ولم يكونوا يحذرون ذلك بالفعل لعدم إيمانهم

ويرده اسناد الحذر إليهم في أول الآية وآخرها، ولو صح هذا الذكر ذلك عنهم بالحكاية فاسند الحذر إلى قولهم ولم يرشده إليهم، كما أسند إليهم كثيرا من الأقوال في هذه السورة وغيرها، ومنها قوله تعالى (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: انا معكم، إنما نحن مستهزئون).

و دويد وقوع الحذر منهم قوله تعالى في سورة المنافقون (يحسبون كل صيحة عليهم))

ا 44

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٣٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٣٩٨