
86
ثم هنا دلائل تدل على أن الموجود لا في موضوع بالتفسير الثاني لا يمكن أن يكون- أيضا- جنسا لما تحته:
الأول: أن الجوهر بهذا المعنى لو كان جنسا لما تحته لكان امتياز كل واحد من أنواعه عن الآخر بفصل، يمتنع ذلك الفصل أن يكون عرضا؛ لامتناع كون العرض مقوما للجوهر، فوجب أن يكون جوهرا، فحينئذ يكون الفصل مشاركا للنوع في طبيعة الجنس، فوجب أن يكون امتياز الفصل عن النوع بفصل آخر، ولزم التسلسل، وهو محال.
الثاني: أن قولنا ماهيته إذا وجدت كانت لا في موضوع يفيد أمورا ثلاثة : أحدها: سلب الكون في موضوع. وثانيها: كون تلك الماهية مقتضية لذلك السلب. وثالثها: تلك الماهية التي عرض لها ذلك الاقتضاء. ولا يجوز أن تكون الطبيعة الجنسية هي ذلك السلب؛ لأن الجنس جزء من ماهية النوع، والسلب المحض لا يكون جزءا من ماهية النوع، ولا تكون الطبيعة الجنسية هي ذلك الاقتضاء؛ لما سيأتي من أن اقتضاء العلة لمعلولها لا يجوز أن يكون أمرا ثبوتيا، وإذا لم يكن ثبوتيا امتنع كونه داخلا في ماهية ذلك النوع، فيمتنع كونه جنسا لذلك النوع.
وأيضا: فبتقدير أن يكون هذا الاقتضاء أمرا ثابتا، إلا أنه نسبة بين ذات المؤثر والأثر، فتكون خارجة عن الماهية، فلا يكون جنسا. ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الذي يحتمل جعله جنسا لما تحته هو تلك الماهية التي عرض لها هذا الاقتضاء، إلا أن هذا- أيضا- باطل؛ لأن أقل مراتب الجنس أن يكون مقوما مشتركا فيه بين الأنواع، وهذا المعنى غير معلوم؛ لأن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكهما في اللوازم، فلا يبعد أن يقال: المجرد له ماهية، والجسم له ماهية أخرى(42، وهاتان