 464
لا نسلم أن زمان وجودها كلها هو زمان وجود المسببات، بل لا بد من حصول تقدم زماني، وكذلك الكسر والانكسار، والإحراق والاحتراق، فإن الكسر هو فعل الكاسر(، الذي يقوم به مثل الحركة القائمة بالإنسان، والانكسار هو التفرق الحاصل بالمكسور، وذلك يحصل بحركة في زمان، ومعلوم أن زمان تلك الحركة قبل زمان هذه، لكن قد يتصل الزمان بالزمان، والمتصل يقال: إنه معه، لكن فرق بين ما يكون زمانهما واحدا وما يكون زمانهما متعاقبا.
ومن الأسباب ما يقتضي سببه شئا فشيئا، فإذا كمل السبب كمل مسببه، مثل الأكل والشرب مع الشبع والري والسكر، فكلما حصل بعض الأكل حصل جزء من الشبع، لا يحصل المسبب إلا بعد حصول السبب، لا معه.
وهذا قول جماهير العقلاء من أهل الكلام والفقه والفلسفة وغيرهم، فإنهم كلهم يقرون أن المسبب يحصل عقب السبب؛ ولهذا كان أئمة الفقهاء وجماهيرهم على أنه إذا قال: (إذا مات أبي فأنت حرة، أو طالق)، أو غيرهما، أنه إنما يحصل المسبب عقب الموت لا مع الموت.
وشذ بعض المتأخرين فظن حصول الجزاء مع السبب، وقال: إن هذا بمنزلة العلة مع المعلول، وأن المعلول يحصل زمن العلة، ولا شك أن لفظ العلة مجمل، يراد به: المؤثر في الوجود، ويراد به: الملزوم، فإذا سلم الاقتران في الثاني لم يلزم تسليم الاقتران في الأول، فلا يعرف في الوجود مؤثر في وجود غيره مقارن له في الزمان من كل وجه، بل لا بد أن يتقدم عليه زمانا، ولا بد ان يعصل وجود بعد عدم؛ ولهذا جعل الفلاسفة العدم من جملة المبادئ؛ كما سيأتي.