 460 آخر، فإن كانت في البدن الأول( من النفوس الزكية الفاضلة تعلقت ببدن كريم فاضل، وإن كانت في البدن الأول من النفوس الجاهلة المؤذية تعلقت ببدن مناسب له، وهؤلاء هم الذين يقولون بالتناسخ، وهم فرق:
أحدها: الذين يقولون: الأرواح الإنسانية لا تتعلق إلا بالأبدان الإنسانية، ثم إنها لا تزال تنتقل من بدن إلى بدن إلى أن تكمل النفس، وتصير طاهرة عن جميع العلائق الجسمانية، وحينئذ تتخلص إلى عالم القدس والطهارة.
وثانيها: الذين يجوزون انتقال الأرواح البشرية إلى أبدان البهائم، ويقال لهم: أهل المسخ.
وثالثها: الذين يقولون: الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها فقد تتعلق بأبدان الحيوانات، وبأبدان النبات، والمعادن، والبسائط، قالوا: وهذا هو غاية العذاب، وإليه الإشارة بالدركات الضيقة في جهنم، قالوا: وذلك لأن القوى الناطقة والجسمانية والفعالة والغاذية كلها أنوار تفيض من عالم الأرواح، فتغوص في بواطن الأجسام، وبواطن الأجسام مظلمة جدا، إلا أنها تستنير بسبب غوص هذه القوى فيها، وكلما كانت هذه القوى أقل كانت بواطن الأجسام أشد ظلمة، وأعظم ضيقا.
فالأرواح البشرية إذا انتقلت من أبدانها إلى هذه الأجسام بقيت في غاية الظلمات والضيق والشدة، وأما أجسام الأفلاك فإنها لكثرة القوى الروحانية التي فيها كانت في غاية الضوء والفسحة، فالأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها وانتقلت إلى التعلق بعالم الأفلاك كانت في غاية الغبطة والفرح، والضوء والسرور، والروح والراحة والريحان، والله الموفق للصواب.