
459
المسألة الثالثة: [مذاهب القائلين بالمعاد الروحاني دون الجسماني]:
القائلون بالروحاني دون الجسماني، وهم القائلون بأن النفوس الناطقة كلها باقية، وهم طوائف:
الطائفة الأولى: الذين يقولون: النفوس لا تدرك الجزئيات، قالوا: إذا فارقت البدن فإن كانت عالمة بالله، نقية عن الهيئات البدنية فإنها تلتذ بتلك العلوم؛ لأن اللذة إدراك الملائم، وهذه سعادتها وجنتها، وإن كانت جاهلة فإنها تتألم بإدراك جهلها، واشتياقها لتلك المعارف مخلدة، ويقولون: (ياليثنا نرد ولا نكذب بقايت ربنا وتكون من المؤمنين)7، وإن بقيت فيها هيئات بدنية تعذبت إلى أن تزول، وهذا التألم نارها وشقاوتها.
الطائفة الثانية : الذين يقولون: النفوس الناطقة مدركة للجزئيات، قالوا: النفس لها صفتان: الإدراك والفعل، والإدراك قسمان: إدراك الجزئيات، وإدراك الكليات، والنفس هي الموصوفة بهذين القسمين من الإدراك، والفعل الذي هو التحريك.
فإذا مات البدن، وزال الحجاب الجسماني، ساحت عليها أنوار عالم الجلال، فازداد إدراكها وفعلها، وانتهت في ذلك إلى حد الكمال، وقربت درجتها من درجة الملائكة، الذين هم أرواح عالم السماوات، وذلك هو الغبطة الكبرى، والدرجة العظمى.
الطائفة الثالثة : الذين قالوا بأن هذه الأرواح البشرية لا تقوى على إدراك الجزئيات، إلا بواسطة آلات جسمانية، فإذا مات البدن، واختلت() هذه الآلات الجسمانية لم يبعد تعلق هذه النفوس بجزء من أجزاء السماوات، حتى يصير ذلك الجزء إلها للنفس، بها تقوى على الإدراكات() الجزئية، من الإبصار والسماع والتخيل. الطائفة الرابعة : الذين يقولون: النفس إذا انقطع تعلقها عن بدن معين تعلقت ببدن