 الملك في مماليكه ليس مما يأباه العقل، أو تدفعه الدلائل، فله أن يتصرف في كل شخص من أشخاص بني آدم بأي شيء شاء من وجوه التصرف، منعا كان، أو إطلاقا، حظرا كان، أو إيجابا، ثم يعلمهم ذلك، إما بتخليق العلم فيهم، أو بتخصيص بعض عباده بالعلم به، من جنسهم، أو من خلاف جنسهم، بإفهام صحيح، أو وحي صريح.
القائلون بالوجوب قالوا: في بعثة الأنبياء من الفوائد والحكم ما لا يخفى، فمنها تأكيد دليل العقل بدليل النقل، ومنها قطع عذر المكلف، على ما قال الله تعالى: (لثآلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)، وقال: (ولو أنا أقلكنهم بعذاب من قبله لقالوا)[134)(3)
ومنها: أن الله عز ول خلق الخلق محتاجين إلى الغذاء للبقاء، وإلى الدواء للشفاء، ولحفظ الصحة، وإزالة العلل العارضة، وخلق من جنسهما السموم القاتلة، والعقل لا يقف عليها، والتجربة لا تفي بمعرفتها، إلا بعد الأدواء، ومع ذلك فيها خطر، وفي بعثة الأنبياء معرفة طبائعها من غير خطر.
ومنها: لو فوض كيفية(4) العبادة إلى الخلق لجاز أن تأتي كل طائفة بوضع خاص، ثم أخذوا يتعصبون لها، فيفضي إلى الفتن.
ومنها: أن ما يفعله الإنسان بمقتضى عقله يكون كالفعل المعتاد، والمعتاد لا يكون عبادة، بخلاف ما يفعله امتثالا؛ فإنه يكون لمحض العبادة؛ ولذلك ورد الأمر بالأفعال