 382
ولما كان من وصف الباري - تعالى - الحكمة التامة عمد إلى الهيولى بعد تعلق النفس بها فركبها ضروبا من التراكيب، مثل السماوات والعناصر، وركب أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل، والذي بقي فيها من الفساد؛ لأنه لا يمكن إزالته، ثم إنه سبحانه وتعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا، وصار ذلك سببا لتذكرها عالمها، أو سببا لعلمها أنها ما دامت في العالم الهيولاني لا تنفك عن الآلام، وإذا عرفت النفس ذلك وعرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن الآلام اشتاقت إلى ذلك العالم، وعرجت بعد المفارقة، وبقيت هناك أبد الآباد، في نهاية البهجة والسعادة.
قالوا: وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين القائلين بالقدم والجدوث، فإن أصحاب القدم قالوا: لو كان العالم حادثا فلم أحدثه الله تعالى في هذا الوقت المعين، وما أحدثه قبل ذلك الوقت ولا بعده? وإن كان خالق العالم حكيما فلم ملأ الدنيا من الآفات?
وأصحاب الحدوث قالوا: لو كان العالم قديما لكان غنيا عن الفاعل، وهذا باطل قطعا؛ لأنا نرى آثار الحكمة ظاهرة في العالم، وتحير الفريقان في ذلك.
وأما على هذا الطريق فلا إشكال؛ لأنا لما اعترفنا بالصانع الحكيم لا جرم قلنا بحدوث العالم، فإذا قيل: ولم أحدث العالم في هذا الوقت? قلنا: لأن النفس إنما تعلقت بالهيولى في ذلك الوقت، وعلم الباري أن ذلك التعلق سبب للفساد، إلا أنه بعد وقوع الحدوث صرفه إلى الوجود الأكمل، وأما الشرور الباقية فإنما بقيت؛ لأنه لا يمكن تجريد هذا التركيب عنها.
قيل عليه سؤالان:
أحدهما: لم تعلقت بالهيولى بعد أن كانت غير متعلقة؟ فإن ثبت ذلك التعلق لا عن