 مسخرا لا ينافي أن يكون له قدرة واختيار، فإن المسخر نوعان: مجبور ومختار، فالمجبور: كالسكين والقلم في يد الكاتب، والمختار: كالكاتب مع قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا ليس ببعيد، فإن المركوب مسخر للراكب، مع أن له قدرة واختيارا، نعم قدرة المسخر كالكاتب والمركوب مشوبتان بالعجز، واختيارهما مشوب بالاضطرار، بخلاف قدرة الله تعالى.
واعلم: أن اختيار المسخر شرط في كون مسخرا؛ فإن المسخر إنما يصلح أن يكون مسخرا لصلاحية فيه، ألا ترى أن السكين إن لم يكن صالحا للنحت بأن لم يكن له حدة، وكذا القلم بأن لم يكن مشقوقا مجوفا- لا يصلح أن يكون مسخرا للكاتب فيما يرجع إلى تحصيل غرض النحت، ونشر المداد على القرطاس؛ كذلك الكاتب المختار إنما يصلح أن كون مسخرا لله تعالى في تحصيل مراده - وهو الفعل الاختياري من الكاتب - بواسطة قدرة الكاتب واختياره، والمركوب إنما يصلح أن يكون مسخرا للراكب في تحصيل غرض المشي منه أن لو كان له قدرة واختيار، فإن الفرس الميت لا يصلح أن يكون مسخرا للراكب في تحصيل المشي؛ لانعدام القدرة والاختيار.
فإن قيل: إذا كان الحق مذهب أهل السنة، وهو أن فعل العبد مخلوق للرب، وكسب للعبد، فما حقيقة كونه كسبا?
قلنا: لا حاجة بنا إلى بيان ماهية ذلك الكسب؛ لأن مقصودنا- وهو بيان صحة تكليف العبد ووعده ووعيده، مع كون فعله واقعا بخلق الله لا بخلقه - يحصل بإثبات تصرف للعبد في نفس الأمر، وإن لم تعلم حقيقته، وقد أثبتناه؛ فلا حاجة بنا إلى ذلك، وإثبات الشيء في نفسه لا يتوقف على العلم بحقيقته، ألا ترى أن جميع العقلاء متفقون على إثبات الحق