 314
وأيضا: أجمعت الأمة على أن النسخ حق، والنسخ عبارة: إما عن ارتفاع الحكم بعد ثبوته، وإما عن انتهائه، وأيا ما كان فهذا يقتضي أنه زال ذلك الأمر وذلك الخطاب بعد ثبوته، وكل ما زال بعد ثبوته لم يكن قديما؛ لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه.
فإن قيل: قدرته تعالى كانت متعلقة في الأزل إلى الأبد بإيجاد العالم، فلما أوجد العالم لم يبق ذلك التعلق؛ لأن إيجاد الموجود محال، فقد زال هذا التعلق، ولم يقتض حدوث قدرة الله تعالى، فكذا القول في الكلام.
رد بالمنع؛ فإن القدرة لو تعلقت من الأزل لوجد العالم في الأزل، وهذا معلوم، ولو سلم فتعلق القدرة خارجي، لا يلزم من زواله حدوثها، بخلاف تعلق الأمر، فإنه من حقيقته.
والجواب الصحيح للأشاعرة: أن الزائل بإتيان العبد ما أمر به وهو تنجيز التكليف، ولا نزاع في حدوثه، لا التعلق العقلي الذي هو من حقيقة الأمر، فإنه لم يزل إذا أتى العبد بالفعل المأمور به، بل هو موجود في الأزل، وبعد أن صلى، وبعد أن مات، وبعد أن قامت القيامة.
الفرع الثالث: [تعلق الأمر بالمعدوم في الأزل]:
اتفقوا- أيضا- على: أن الأمر يتعلق بالمعدوم في الأزل، ومرادهم: التعلق العقلي، لا تنجيز التكليف، قالوا: لأنه لو لم يتعلق به لم يكن الأمر أزليا؛ لأن التعلق من حقيقية