 (إنا أرسلنا)، و(إنا أنزلنه فى ليلة القدر)، و(ان الذيب كفروا سواء عليهمء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)، فلو كان هذا الإخبار قديما أزليا لكان قد أخبر في الأزل عن شيء وقع في زمان قبله، وهذا يقتضي أن يكون الأزلي مسبوقا بغيره، أو أن يكون كلام الله كذبا، وكل واحد منهما محال، فعلمنا أن هذا الإخبار يمتنع كونه أزليا.
فإن قيل: إنه تعالى كان عالما في الأزل بأنه سيخلق العالم، ثم لما خلقه في لا يزال صار العلم متعلقا بأنه قد خلقه في الماضي، ولم يقتض هذا تغير العلم، فلم لا يجوز مثل ذلك في الخبر، بأن يقال: الخبر صفة واحدة، تتعلق بوقوع الفعل في المستقبل، ثم تتعلق بوقوعه في الماضي، ولا يلزم من تغيره تغيرها؟
رد بمنع الأصل، ولو سلم فهو مبني على أن العلم صفة لها تعلق لا يلزم من تغيره تغيرها، وهذا مفقود في الخبر، فإن (أرسلنا) غير (نرسل) لفظا ومعنى، ولا اشتراك بينهما إلا في لفظ الخبر.
الوجه الثالث: لو كان كلام الله قديما أزليا لكان باقيا أبديا؛ لأن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه، فيكون قوله تعالى لزيد: «صل صلاة الصبح» باقيا بعد أن صلى زيد صلاة الصبح، وبعد أن مات، وبعد أن قامت القيامة، وهكذا يكون باقيا أبد الآباد ودهر الداهرين، ومعلوم أن ذلك على خلاف المعقول، فإنه تعالى إذا أمر عبده بفعل من الأفعال، فإذا أتى ذلك العبد بذلك الفعل لم يبق ذلك الأمر متوجها عليه، وإذا ثبت أن ذلك الأمر زال ثبت أنه كان محدثا لا قديما.