
الأول: الذين قالوا العلم باحتياج المحدث علم ضروري؛ فإن من رأى بناء رفيعا، وقصرا مشيدا اضطر إلى العلم بأن له بانيا وصانعا.
قيل لأعرابي: بم عرفت الله عز وجل ? فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، وهذا الإيوان العلوي والمركز السفلي مما يدلان على الصانع الخبير.
الفريق الثاني: الذين قالوا: إن هذه المقدمة استدلالية، وهم أكثر شيوخ المعتزلة؛ كأبي علي، وأبي هاشم، وطريقهم: أنهم يثبتون كون العبد موجدا لأفعال نفسه، ثم يثبتون أن أفعالنا إنما احتاجت إلينا؛ لأنها حدثت بعد أن كانت معدومة، وعند هذا يظهر أن الحدوث علة للافتقار إلى المحدث، فالعالم لما كان محدثا وجب افتقاره إلى الفاعل
قال الإمام: «وعلى تمسكهم بهذا القياس سؤالات صعبة:
أولها: لم لا يجوز أن يقال: إن أفعالنا محدثة عند قصودنا ودواعينا، لا بقدرتنا ودواعينا، بل على سبيل الاتفاق من غير مؤثر؟
وثانيها: هب أن أفعالنا واقعة بقدرتنا، لكن لا نسلم أن علة الحاجة هي الحدوث، سلمنا أن حدوثها علة لحاجتها إلينا، لكن لم لا يجوز أن تكون العلة هو ذلك الحدوث الخاص? أعني: ماهية4) الحدوث بشرط إضافته إلى تلك الأفعال الخاصية، فإن الواحد منا إنما يحدث أفعالا معينة؛ كما سيأتي تقريره في مسألة خلق الأفعال، والعالم وإن حصل فيه الحدوث لكن لم يحصل فيه هذا الشرط الخاص، فلا يلزم أن تحصل فيه الحاجة إلى الفاعل