
- أما ما استفاده من كلام غيره، وساقه مساق كلامه، ولم ينسبه إلى أحد فإن الغالب عليه التصرف فيه، وأكثر تصرفه بالتلخيص والاختصار، وخاصة في النقول المطولة.
- ولتصرف المصنف في النقول أسباب، فهي إما لمجرد الاختصار، أو للاستدراك على المنقول عنه، أو مخالفة بعض ما ذهب إليه، أو غير ذلك مما يظهر في محاله.
ثالثا: منهجه في توظيف النقول، وظهور شخصيته فيها:
مع أن المصنف رحمه لله واسع النقل في كتابه إلا أن شخصيته العلمية كانت ظاهرة فيما ينقل ويحرر، وذلك من وجوه كثيرة، أبرزها ما يأتي:
الوجه الأول: أن نقله كان نتيجة فهم، واستيعاب، وإحاطة دقيقة بأمهات كتب العقليات، وأهم مصادرها، فاستطاع رحمهالله براعة ظاهرة أن يمزج بين مسائل هذه المصادر، وينظمها في سياق علمي تفرد به، حتى إنه يسرد جملة من المسائل متوالية مترتبة، آخذا بعضها بحجز بعض، ثم عند البحث والتحقيق يتبين أنه رحمه له نقل كل واحدة من هذه المسائل من مصنف مختلف، بل وذكرها كل واحد من هؤلاء المنقول عنهم في سياق مختلف عما نقلها إليه المصنف، بل إنه يدمج في المسألة الواحدة بين قيود وعبارات وردت في مواطن مختلفة، ولا يحسن مثل ذلك إلا من علا كعبه في هذا الباب.
فهذا- إذن - وجه أول من وجوه ظهور شخصية المصنف في نقله وكتابته.
الوجه الثاني: حسن تصرف المصنف في النقول، وحسن اختياره لما ينقل، ذلك أنه قد ينقل عن الفخر الرازي - مثلا- أوجها في نقد دليل ما، إلا أنه قد يتخير ستة من عشرة أوجه ذكرها الرازي في كتابه، فيكون في اختصاره هذا دليل على ترجيحه الوجوه التي ذكرها، وتضعيفه لما عداها.
ثم إنه في أحيان كثيرة يعيد صياغة ما ينقله، صياغة توضح مشكلا، أو تختصر مبسوطا، أو تتلافى اعتراضا، أو تتضمن استدراكآ أو مخالفة للمنقول عنه، وأمثلة هذا كثيرة، وقد