 ومن ذلك قوله بعد أن رد قول الفلاسفة بالهيولى: «فإن قيل: فما الذي أحوجهم إلى هذا القول الباطل؟ قلنا: أمور، منها: القول بتماثل الأجسام... فإن قيل: ولم قالوا بتمائل الأجسام حتى احتاجوا إلى هذا التكلف ? فإنهم لو قالوا باختلاف الأجسام لم يرد عليهم خرق الأفلاك... قلت: أحوجهم إلى ذلك ما تلقوه عن شياطينهم، من أن الرب شبحالنة وتعال غير متصف بالصفات...»1.
ج - تجرده للحق وبراءته من التقليد والتعصب:
من السمات الظاهرة في هذا الكتاب: براءة مصنفه من التقليد، وتنزهه عن التعصب لمذهب بعنه، مع حثه لطلابه وقارئي كتابه على ترك التقليد في غير ما موضع، من ذلك قوله: «فعليك بطرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلال، ولا يغرك كثرة الهالكين، وإليك الاعتبار بعقلك، ولا تقلد في عقلياتك من لم يقم برهان على صدقه»(1)، وقوله: «فإذا كانت - يا أخي - حجج الفريقين التي يعتمدون عليها ما قد وقفت عليه، وليس فيها ضروري، ولا ما ينتهي إلى ضروري، فكيف ترضى لنفسك أن تقلدهم في أمر دينك? وما لي لا أتبع صراط ربي المستقيم? وكيف أتبع السبل فتفرق بي عن سبيله ؟»(2)، إلى غير ذلك من الأقوال.
ومن الملاحظ ههنا أن القول الأول من القولين السابقين ورد في مسألة منطقية، لا في مسألة من أصول الدين، وقد ورد لهذا المعنى عدة أمثلة في القسم المنطقي غير ما ذكرنا، فيدل هذا على شدة تحري المصنف للتحقيق، وتمام طلبه للحق في الجليل والدقيق، وانطلاقه في ذلك من المعاني الدينية التي تحث على طلب الحق واتباعه، وتنهى عن التقليد بغير برهان.