 وصيتي كل عاقل أن لا يترك من مدلول كلام ربه...».
ب- العناية بأصول الأقوال الفاسدة، وما ترتب عليها:
كانت نظرة المصنف في كتابه نظرة شمولية، فلم يقصر همه على معالجة فروع المسائل ومناقشتها، بل اعتنى ببيان أصول هذه الأقوال ولوازمها، وربط بين المسائل التي ترجع إلى أصل واحد، وقد أشار إلى ذلك المنهج في مقدمته، فقال: منبها على مواضع الزلل، ومشيرا إلى كيفية دخول الإلحاد على بعض الفضلاء في الاعتقاد والقول والعمل.
والأمثلة على منهجه هذا كثيرة، أهمها وصفه للمسائل التي يتوصل بها إلى تأصيل العقائد الباطلة بأنها «دسيسة»، وبأنها: «خبيثة»، وقد نبه على دسائس الفلاسفة في عدة مواضع من العلم الطبيعي والإلهي، فمن ذلك قوله عن متأخري الفلاسفة: ثم قالوا: (وكل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن) وهذا دسيسة خبيثة على الأغبياء الجهال الذين لا يعقلون؛ لينفوا بها الرب الكبير المتعال وهم لا يشعرون، فإنه إذا تقرر في أذهانهم في هذا العلم الكلي أن الموصوف بالصفة مفتقر، وأن المفتقر ممكن، ثم انتقلوا إلى العلم الإلهي، فنظروا في مسألة الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام... خيل لهم أن إثبات الصفة لربهم يقتضي فقره وإمكانه، فينفوا عنه الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، وغير ذلك من الصفات، ولا يعلمون أنه إذا انتفت جميع الصفات، انتفت الذات، فإنه لا يمكن أن يوجد موجود بدون صفة، فيكفرون من حيث لا يشعرون، فضاعف الله العذاب على من قرر هذا الأصل، إن كان مات على كفره.