
وعلى هذا الكلام سؤال، فإنه يشعر بأنه كلما كان الاعتدال في المزاج أكثر؛ كان الاستعداد لقبول النفس أشد، والمباحث الطبية دلت على أن أشد الأعضاء اعتدالا هو جلدة الأنامل، لا سيما جلدة السبابة، وأكثرها حرارة هو القلب والروح، فلو صح قولنا: «إنه كلما كان اعتدال المزاج أكثر كان الاستعداد لقبول النفس أشد» لوجب أن يكون المتعلق الأول للنفس هو جلدة السبابة، لا الروح والقلب، وحيث كان التالي كاذبا وجب أن يكون المقدم - أيضا- كاذب.
واعلم: أن الخلق العظيم زعموا: أنه لا معنى لهذه النفس إلا المزاج المعتدل، وأبطله الإمام بوجوه لا يخلو شيء منها عن نظر.
وهل النفس شيء واحد، وذلك الشيء هو الموصوف بكونه مدركا وبكونه محركا ? قد سبق أنه الحق.
قال ابن سينا: ثم اختص الإنسان بنفس ناطقة؛ لأن مزاجه أقرب الأمزجة إلى الاعتدال، فاستوكرته النفس الناطقة، ولها قوتان: إحداهما: معدة نحو العمل، والثانية: معدة نحو النظر، وخاصيتها: تصور المعاني الكلية، كما سبق.
قال: «وهذه الاستقصات لا بد أن تكون موصوفة بكيفيات توجب حصول الفعل والانفعال بينها، ثم إن المشاهدة تدل على أن الأجسام البسيطة خالية عن الكيفيات المطعومة والمذوقة والمشمومة، وأما الكيفيات المبصرة فالبسائط خالية عنها.