 شاهدنا شيئا، ثم غفلنا عنه فإنه تبقى صورته في الخيال، بدليل: أنا إذا شاهدناه مرة أخرى حكمنا بأن هذا الذي نشاهده [هو الذي شاهدناه] قبل ذلك، ولولا أن صورته كانت محفوظة عندنا لما قدرنا على هذا الحكم.
ثم استدل ابن سينا على أن هذا الحافظ غير المدرك للصور: بأن المدرك للصور له قوة أخذ الصورة، وهذا الخيال له قوة حفظها، والأخذ غير الحفظ، بدليل أن الماء له قوة أخذ الصورة وليس له قوة حفظها.
قال الإمام: وهذا الوجه ضعيف؛ لأن قضية الماء جزئية، فلا يثبت بها الأمر الكلي، ولأن هذا الذي يحفظ هل قبل، أم لا؟ فإن كان قبل فقد سلمتم: أن القوة الواحدة قد حصل بها القبول والحفظ معا، فحينئذ قولكم: الأخذ يحصل بما لا يحصل به القبول يكون باطلا، وإن كان ما قبل فكيف يحفظها? وهذا معلوم بالضرورة
وأيضا: يلزم أن يكون الإدراك غير الحضور، فإن الصورة المحفوظة حاضرة، وذلك يناقض قوله؛ لأن مذهبه أنه: لا معنى للإدراك إلا حضور صورة المدرك في المدرك.
قالوا: وعضوه- على القول به - مؤخر البطن الأول من الدماغ، وعضو الحس المشترك مقدمه، بدليل: أنه متى وقعت آفة في هذا العضو اختلت أفعال هذه القوى، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لاحتمال أن يكون هذا العضو آلة لهذا الفعل، لا محلا لفاعل هذا الفعل، فيلزم من وقوع الآفة بهذا العضو وقوع الآفة في هذا الفعل(