 بالعلم تارة، وبإحكام وإتقان المصنوعات والمفعولات أخرى، وفسروها بغير ذلك، كما يأتي في موضعه من الكتاب.
وقد خالفهم المصنف رحمه لله في هذا التفسير، فأثبت حكمة الله تعالى بما يناسب إثبات تعليل أفعاله، فقال: «ثم اختلفوا، فقيل - وهو الحق - : إن الحكمة تحصيل المصلحة، ودرء المفسدة، وترك ما ليس في فعله فائدة، فخلق الأفعال القبيحة - كالكفر والظلم - لا يخلو عن فائدة، وإن كنا لا نعلمها، وكذلك خلق الأجسام القبيحة لا يخلو عن فائدة، إما من حيث إنه يستدل بها على أنه تعالى عزيز بذاته، غني عن خلقه، لا يتقوى بكثرة أوليائه، ولا يضعف بتوفير عصاته وأعدائه، أو من وجه آخر لا نعمله.
ولا بد للحكيم من العلم بعواقب الأمور، فلذلك فسرت الحكمة بالعلم؛ كما سبق في أول القسم الثالث من هذا الكتاب.
تجويز صدور الأفعال الممكنة كافة عن الله تعالى:
بناء على قول الأشعرية بتنزيه أفعال الله تعالى عن الغايات، فقد حكموا بجواز صدور جميع الممكنات عن الله تعالى جوازا عقليا، ولو كانت في الشاهد من القبائح، فجوزوا في حكم العقل أن يعذب الله تعالى الأنبياء، ويثيب العصاة؛ بناء على أن الله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، ولولا ورود السمع بعدم ذلك لأمكن تحققه في الواقع.
يقول الباقلاني رحمه الله: «فإن قال قائل: فهل يصح على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيين، وينعم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل، قبل ورود السمع?
قيل له: أجل، له ذلك، ولو فعله لكان جائزا منه غير مستنكر من فعله»().