 للفعل إنما هي إرادة واحدة أزلية، وأن كلامه هو كلام نفسي أزلي واحد، وأما ألفاظ القرآن فلم تقم بذات الله تعالى، وليست هي كلامه حقيقة، وإنما هي عبارة وحكاية عن كلام الله سبحانه، وأن خطاب الله للعباد كان قبل خلقهم، إلى غير ذلك من اللوازم.
كما ترتب عليه قولهم: إن أفعال الله تعالى من الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وغيرها لم تقم بذات الله، وإنما هي أمور إضافية اعتبارية، وأن الصفات الإلهية المؤولة- عندهم - بالإرادة كمحبة الله ورضاه ورحمته، وبغضه وغضبه وسخطه، وغيرها - إنما كانت في الأزل، قبل خلق المحبوب والمبغوض... إلى غير ذلك من المسائل التي يطول تتبعها.
وإذا كان الأمر كذلك لم تكن محبة الله للعبد ولا إنعامه عليه مترتبا على فعل العبد، ولا كانت عقوبة العبد مترتبة على معصيته، إذ إراة العقوبة سابقة على وجود المعصية، فحكموا بأن أفعال الله تعالى لا تكون لغاية وسبب، بل قد تترتب عليها العواقب الحميدة اتفاقا، وتبع ذلك سلسلة أخرى من اللوازم والمقالات.
ولم تقف آثار هذا الدليل عند الذي ذكرنا، بل قد دل هذا الدليل على حدوث الجواهر والأعراض، فجعل الأشعرية صفات الجواهر والأعراض أمارات على الحدوث، وكان من اثآر ذلك نفي علو الله تعالى على خلقه، وغير ذلك من المسائل.
موقف المصنف من هذا الأصل:
إن المصنف رحمةالله يخالف هذا الأصل صراحة، ويطيل في بيان مخالفته له، وذلك في مواطن من الكتاب، أهمها: المسألة الأخيرة من الكلام عن أفعال الله تعالى، فقد بدأ تحم الله مناقشة المسألة بقوله: المشهور: أن الكرامية مختصون بجواز قيام الحوادث بذات الله تعالى، دون سائر الطوائف، والظاهر: أن أكثر العقلاء يقولون بهذا المذهب، وإن كانوا ينكرونه باللسان»، ثم مضى في إلزام هؤلاء المنكرين - من معتزلة وأشاعرة وفلاسفة- القول بهذه المسألة بناء على أصولهم.