 146 المسألة في الأصل الثاني من كتابه (أصول الدين)، فذكر قول الفلاسفة والدهرية والثنوية وغيرهم، ثم ذكر قول الأشعرية والمعتزلة فقال: «وقال أصحابنا بتجانس الأجسام كلها، وقالوا: إن اختلافها في الصورة وفي سائر الأحكام إنما هو لاختلاف الأعراض القائمة بها، ووافقهم على هذا من المعتزلة الجبائي وابنه أبو هاشم.
ودليل هذا القول: أن أعظم أنواع الاختلافات بين الأجسام ما نراه من الاختلافات بين الأرض والماء والنار والهواء، وما نراه من الاختلافات بين الحيوان والجمادات وأنواع النبات، وهذه الأنواع مع اختلافها في الصورة واللون والطعم والرائحة والوزن يستحيل بعضها إلى بعض؛ لأن الأرض تنحل فتصير ماء، كالملح إذا ذاب، والماء في بعض البقاع يجمد فيصير حجرا، والحجر من جنس الأرض، وقد ينعقد الماء فيصير ملحا، والملح من جنس الأرض السبخة المالحة، والصاعقة تقع على الأرض، فتغوص فيها إلى الماء، فتصير في الماء قطعة حديد، والحديد من جنس الأرض، والهواء قد ينعقد، فيصير بخارا وسحابا ثم يقطر منه المطر... فدلت استحالة هذه الأصول بعضها إلى بعض أنها في الأصل جنس واحد، وأن اختلافها في الصورة لاختلاف الأعراض القائمة بها، كما بيناه»(1).
وأما القول باختلاف الأجسام في الماهية: فهو قول الحكماء أصالة وابتداء، وهذا القول شائع عنهم، منسوب إليهم، وارد في كلامهم، وإن كان متقدموهم لم يظهر لهم كبير عناية بتقرير هذه المسألة؛ ولعل ذلك لعدم اشتهار مخالفة المتكلمين لهم فيها، حتى ظن بعض كبار متأخريهم اتفاق الحكماء معهم فيها كما تقدم.
ومهما يكن من أمر فإن قول الحكماء باختلاف الأجسام في الماهية ثابت عنهم ثبوتا لا مرية فيه، يقول ابن سينا في عبارات صريحة: «والأجسام التي لها في طباعها ميل مستدير،