
ثالثا: تفصيل القول:
المسألة الأولى: مفهوم هذه المسألة والفرق بينها وبين ما يشتبه بها:
إن الكلام في هذه المسألة من مظان الاشتباه؛ وذلك لاشتباه مسألتين في هذا المقام:
المسألة الأولى: تماثل الأجسام في الجسمية، أي: تساويها في المفهوم من الجسمية، مع جواز اختلافها في حقيقتها وماهيتها، فلا يلزم من القول بتساوي الأجسام في الجسمية تساويها في تمام الماهية، بل قد يعتبر هذا التساوي واقعا في وصف عرضي لا ذاتي، كما قال به من نفى استواء الأجسام في الحقيقة؛ فإن القول بتساوي الأجسام في الجسمية يوافق عليه عامة العلماء، بما فيهم المصنف وابن سينا وغيرهم، ومسألة تساوي الأجسام في الجسمية هي المسألة الرابعة من الكتاب الأول من القسم الطبيعي.
يقول الرازي رحمهالله في بيان القول بتساوي الأجسام في الجسمية دون الماهية: «فإن لقائل أن يقول: كما أن الصفات متساوية في كونها صفات، ثم إنها مختلفة بحسب ماهياتها المخصوصة، مثل كونها سوادا وبياضا وحلاوة وحموضة، فكذلك لا يبعد كون الأجسام متساوية في عموم الحجمية والتحيز، ثم إنها تكون مختلفة بحسب ماهياتها المخصوصة، فجسمية النار مخالفة لجسمية الأرض، وجسمية كل واحد منهما مخالفة لجسمية الفلك... والذي يقوي هذا السؤال: أن المقادير من باب الأعراض عند الفلاسفة، والجسم عبارة عن الذات القابلة لهذه المقادير...»
أما المسألة الثانية: فهي مسألتنا هنا، وهي تساوي سائر الأجسام في تمام الماهية والحقيقة، بحيث لا تختلف إلا بالصفات العارضة، وهذا هو محل النزاع، بين مثبت لهذا التساوي وناف له.