وأما دارا فقد جمع بوادي الدجلة والفرات جيشا ضعف جيشه الأول الذي انهزم في واقعة أسوس، فخرج الإسكندر من مصر، ورجع على عقبه إلى بلاد الشام، ثم عبر نهري الفرات والدجلة، وتلاقى معه في سهل إربل، فهزمه أيضا، وهرب دارا إلى مدينة أكبتان، وهي همذان، فلم يقتف الإسكندر أثره، بل اتجه جنوبا، وتملك على بابل وسوس وبرسيبوليس وباسارجاد من عواصم مملكة العجم، ثم اتجه شمالا حينئذ ليقتفي أثره، فوصل إلى مدينة أكبتان. غير أن دارا كان قد خرج منها والتجأ إلى ولاية بكتريان من ولايات مملكته، وهي قسم بخارة الآن، فقتله واليها بسوس، فلم يلبث الإسكندر أن حضر إلى مدينة بكتر، وهي بلخ، تخت هذه الولاية، وقبض على بسوس بعد أن اقتفى أثره خلف نهر أكسوس، وهو نهر جيحون، وسلمه إلى أخي دارا فأماته في العذاب الأليم.
ثم قصد الإسكندر نهر السند، فعبر هذا النهر، وأراد أن يتوغل في بلاد الهند فلم تطاوعه عساكره فنزل فيه إلى مصبه، ورجع إلى مدينة بابل من طريق صحراء جدروزية، وهي بلوجستان، فأراد أن يجعلها عاصمة دولته، وينظم أمور المملكة فأدركته فيها الوفاة سنة 945ق.ه، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة، فمات أثناء فتوحاته قبل أن يتمم جميع مشروعاته العظيمة التي لم تخطر على قلب بشر، وترك له من الصيت والشهرة ما ملأ أقطار العالم، وكانت دولته إذ ذاك ممتدة من البحر الأدرياتيقي والبحر الداخل؛ أي البحر الأبيض المتوسط غربا، إلى جبال إيجود؛ أي جبال هماليا ونهير هيفاز ونهر السند غربا، ومن نهر الدانوب وهو الطونة وبحر بونت لوكسن؛ أي البحر الأسود وجبال القوقاز وبحر الخزر ونهر ياكسارت؛ أي نهر سيحون شمالا إلى بحر أريطرة؛ أي بحر عمان وخليج العجم وصحراء بلاد العرب وشلال أصوان جنوبا، فاقتسمها قواد جيوشه، فكانت مصر من نصيب أحدهم المدعو بطليموس، فأسس فيها عائلة ملوكية جديدة، وهي دولة البطالسة.
الفصل الثاني
في الدولة البطليموسية
قد حكمت هذه الدولة على مصر نحو الثلاثة قرون (945-652ق.ه)، وبلغت مصر في عهدها في الشوكة والمجد والثروة درجة عظمى، لم ترها من مدة مديدة؛ فقد صارت مدينة الإسكندرية؛ عاصمة المملكة الجديدة، منبعا للعلوم والمعارف، وكان جميع ملوك هذه العائلة يطلق عليهم اسم بطليموس مع أن كلا منهم كان له لقب خاص به، وهم نحو الأربعة عشر، استقلوا بحكم مصر، واستعملوا مع المصريين اللين والرفق، وأصلحوا البلاد واحترموا نظاماتها، مع اجتهادهم في إدخال التمدن اليوناني فيها، وكان أشهرهم بطليموس الأول الملقب لاغوس أوسوطير؛ أي المخلص، وهو المؤسس لهذه الدولة، فلما قبض على أزمة الحكومة في مصر وجه مزيد همته إلى استمالة قلوب الأهالي إليه؛ فاستعمل الرأفة والحلم في أحكامه، وأحسن التدبير والسياسة، وضم إلى مصر كيرينة والشام وقبرص وفينيقية، وشيد بمدينة الإسكندرية معابد كثيرة، وبنى بها منارة في جزيرة فاروس لتسهيل الملاحة بجوار ميناها، ومن أشهر أعماله مدرسة الإسكندرية المسماة بالرواق التي جلب إليها العلماء من اليونان وغيرها من البلدان الرائجة فيها أسواق العلوم والمعارف، وكان هذا الملك محبا لمجالسة العلماء ومحادثتهم، وقد جمع لهم كتبخانة عظيمة، فهرع إلى مصر مشاهير الرجال من أهل الشرق والغرب حتى صارت مدينة الإسكندرية مركز العلوم والمعارف.
وبطليموس الثاني الملقب فيلادلفوس؛ أي محب أخيه، وهو ابن بطليموس الأول، قد تنازل له أبوه عن الملك في حياته، فلما خلف أباه على سرير الملك اجتهد مثله في نشر العلوم والمعارف، وترجم إلى اللغة اليونانية كتب اليهود المقدمة (المعروفة بالترجمة السبعينية)، وزاد في الكتبخانة التي أنشأها أبوه، وأوسع علمي الفلك والملاحة، وأمر باستكشاف بلاد النوبة والنيل الأعلى، وكان من أعظم ملوك هذه العائلة، وعصره من أعظم الأعصر في تاريخ الفلسفة.