تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم اجتهد المصريون مرارا من بعده في الخروج عن طاعة العجم والاستقلال بأنفسهم، حتى تمكنوا من ذلك سنة 1028ق.ه لاختلال مملكة فارس في ذاك الحين، فاستقلوا بحكم أنفسهم نحو الستين سنة (1028-962ق.ه)، فقام بمصر في تلك المدة ثلاث عائلات مصرية؛ وهي الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون والثلاثون، واجتهد المصريون في تحصين حدودهم تحصينا عظيما خوفا من العجم. غير أن ذلك لم يجد نفعا؛ حيث لم يمكنهم مقاومة العجم عندما أغاروا عليها في المرة الثانية، بل إن آخر ملوكهم المدعو نقطنبو الثاني بعد أن قاوم العجم مقاومة شديدة جمع أمواله وهرب إلى بلاد النوبة، فدخلت مصر حينئذ تحت حكم العجم ثانيا، فأسسوا فيها العائلة الحادية والثلاثين، ومنهم انتقلت إلى اليونانيين بظهور الإسكندرية الأكبر حيث أغار عليها سنة 954ق.ه، وأخذها من يد دارا الثالث آخر ملوك العجم.

الباب الثاني

| في ذكر مصر تحت حكم اليونان، وفيه فصلان

لما أفرغت دولة العجم في دولة الإسكندر الأكبر بإغارته عليها صارت مصر كباقي دول الشرق القديمة التي كانت تحكم حكم العجم جزءا من دولته، ثم مكثت تحت حكم اليونانيين مدة 302 سنة (954-652ق.ه)، فأسسوا فيها عائلتين: الثانية والثلاثين، وهي الدولة المقدونية ؛ أي مدة تبعيتها لدولة الإسكندر الأكبر، والثالثة والثلاثين، وهي الدولة البطليموسية؛ أي مدة استقلالها تحت حكم عائلة بطليموس أحد قواده.

الفصل الأول

في الإسكندر الأكبر وفتوح اليونانيين لمصر

قد كان الإسكندر الأكبر ملك مقدونية إحدى أقسام بلاد اليونان الشمالية رجلا عالي الهمة شديد الذكاء حميد الخصال جميل الصورة، وقد أكفل أبوه بتربيته الفيلسوف الشهير أرسطاطاليس فأحسن تربيته، واستخلفه على الملك وعمره سبع عشرة سنة مدة تغيبه في حرب طراسة، فقام بأعباء الملك، وكانت تلوح عليه من صغره سمة الفطنة والشجاعة، فلما مات والده، فيلبش ملك مقدونية استولى على المملكة وعمره عشرون سنة، فلم يلبث أن خرج عليه بعض الأمم التي أخضعها أبوه ببلاد اليونان وشواطئ الدانوب؛ أي الطونة، فأرجعهم إلى الطاعة بعد أن هزمهم شر هزيمة، حتى ارتجفت منه بقية المدن اليونانية، وأذعنت له بالطاعة بكل خضوع، ثم عزم على محاربة العجم فعبر بوغاز الدردانيل المسمى قديما هلسبونت بجيش مؤلف من 35000 مقاتل، وتلاقى بجيوش العجم عند نهر جرانيقة، فهزمها واستولى على جميع آسيا الصغرى بدون أدنى مقاومة، أما ملك العجم دارا الثالث فجهز جيشا مؤلفا من 500000 مقاتل، وحضر لملاقاته فقابله عند مدينة أسوس، وحصلت بينهما واقعة عظيمة انهزم فيها دارا وهرب في داخل بلاده، وترك أمه وأخته وامرأته وأولاده في المعركة فوقعن أسرى في يد الإسكندر، فعاملهن أحسن المعاملة، ثم اتجه إلى بلاد الشام كي يتملك على جميع الشواطئ البحرية، ودخل بلاد فينيقية ففتحت له جميع مدنها أبوابها إلا مدينة تير وهي صور؛ فإنه لم يتمكن من فتحها إلا بعد حصارها سبعة أشهر، ثم تملك على غزة أيضا، ودخل مصر من طريق بيلوز وهي الفرما، فخضعت له بكل سهولة لبغضها لحكم العجم، ولما وصل إلى مدينة منف أخذ يتفرج في داخل البلاد، وعامل أهلها بالحلم والعدل، ورتب إدارتها ونظم سياستها، ولم يغير شيئا من عوائد أهلها القديمة، ثم نزل النيل حتى وصل إلى قرية راقودة الواقعة بالبرزخ المحصور بين بحيرة مريوط والبحر الأبيض المتوسط، فاستحسن جدا موقع هذا البرزخ، واختاره موضعا لمدينة الإسكندرية، فخطط بنفسه أساساتها سنة 954ق.ه، وأناط المعمار المسمى دينوقراطس بإجراء العمل، ودخلت راقودة في سورها، وبقي اسم راقودة لخطة بالإسكندرية بنيت على آثارها، ثم توجه الإسكندر من هناك إلى معبد آمون في واحة سيوة واستجوب الكهانة، ولم يظهر نفسه، فعرفه الكهان وأعلنوا بأنهم يعهدون أنه ابن المشتري، وقد خضعت له مستعمرة كيرينة اليونانية أيضا، وهي طرابلس الغرب الآن حينما توجه إلى واحة سيوة.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٨