ثم بطليموس الثالث الملقب ويرجيطة؛ أي المحسن أو الرحوم، وهو ابن بطليموس الثاني، خلف أباه بعد موته على سرير الملك، وكانت مدته من أعظم المدد رفعة لمصر حيث امتدت فتوحاته إلى أواسط آسيا وبلاد النوبة؛ فقد أغار على بلاد الشام وعبر نهر الفرات ووصل لغاية بكتريان ببلاد العجم، فأرجع إلى مصر تماثيل الآلهة المصرية التي كان سلبها كمبيز من مصر، وضم إلى مصر الجزء الشمالي من بلاد الإثيوبية لغاية مدينة إبريم.
أما من بعده فقد ابتدأ انحطاط هذه الدولة؛ فإن الملوك الذين خلفوه كانوا قد تولوا جميعا في حداثة سنهم، فتركوا أمور المملكة في يد أوصيائهم عليها يديرونها حسب أغراضهم، ولم يلتفتوا إلا إلى اللذات والشهوات، فابتدأ حينئذ اختلال المملكة، وسقطت شوكتها الخارجية فطمع فيها جيرانها، ووقعت الحروب بين ملوكها وملوك الشام على الدوام، فالتزموا بأن يوسطوا دولة الرومانيين في الخلاف بينهم وبين هؤلاء الملوك، حيث كانت هي الدولة ذات السطوة في ذاك الوقت التي لها الكلمة النافذة على جميع ممالك البحر الأبيض المتوسط، فابتدأ تداخل الرومانيين حينئذ في أمور المملكة، ثم لما وقعت فيها الفتن والثورات لازدياد اختلالها وانهماك ملوكها على ملاذهم الشهوانية التزم هؤلاء الملوك بأن يخضعوا للسلطة الرومانية، ويحكموا برعاية مجلس رومة لهم لخوفهم من أهالي الإسكندرية، فارتبطت أمور مصر حينئذ بالدولة الرومانية حتى آل الأمر أخيرا إلى أن تملكت عليها هذه الدولة بعد موت قليوبطرة آخر ملوك هذه العائلة، فصارت مصر إيالة رومانية تحكم بعمال من الرومانيين.
الباب الثالث
| في ذكر مصر تحت حكم الرومان، وفيه فصلان
إن الدولة التي أفرغت فيها دولة الإسكندر تقريبا هي الدولة الرومانية؛ فقد ورثت هذه الدولة ذاك الفاتح المقدوني في ممالكه الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وامتدت فتوحاتها على جميع البلاد الواقعة على هذا البحر، وإليها انتهى تمدن الأمم القديمة، وبها انتقل من المشرق إلى المغرب، وقد حكمت على مصر 411 سنة (652-241ق.ه)، وهذه المدة هي التي كانت فيها مصر تابعة لرومة؛ أي لدولة الرومانيين قبل انقسامها ، فلما انقسمت هذه الدولة إلى دولة رومانية شرقية وإلى دولة رومانية غربية صارت مصر أيضا تابعة للدولة الرومانية الشرقية نحو 259 سنة (241ق.ه-18ب.ه)، وهذه المدة تسمى بمدة النصرانية؛ لأن المصريين كانوا فيها قد اعتنقوا الديانة المسيحية، وأما في سائر المدد السابقة فكانت ديانة مصر الوثنية؛ ولذا مجموعها يعبر عنه بمدة الوثنية.
الفصل الأول
في فتوح الرومانيين لمصر وحكمهم بها
لا زال نفوذ الرومانيين يزداد بمصر، ولا زالت ملوك مصر تتقرب من هذه الأمة لكثرة عصيان المصريين عليهم، حتى كانت أيام بطليموس الحادي عشر الملقب أوليطيس، أي الزامر، فأوصى قبل موته بملك مصر لأكبر أولاده وكبرى بناته بشرط عقد الزواج بينهما وأن يكون الوصي عليهما الأمة الرومانية، فلما مات خلفته قليوبطرة، وحكمت بالاشتراك مع أخيها بطليموس الثاني عشر الملقب بطليموس دنيس، أي الخمار، حسب وصية أبيهما، وكانت إذ ذاك الدولة الرومانية بين يدي أميرين من أمرائها مشتركين في حكومتها؛ وهما يوليوس قيصر وبمبيوس، وكانت قد ظهرت بينهما العداوة وحصل بينهما الفشل بعد موت شريكهما الثالث أقراسوس، فوقعت بينهما الحروب، وهرب بمبيوس من رومة إلى بلاد اليونان، فتبعه فيها يوليوس قيصر وهزمه، فهرب بمبيوس إلى مصر ملتجئا إلى بطليموس دنيس ظنا منه أنه يجيره؛ حيث كان هو الذي أجلسه على كرسي المملكة، وكان بطليموس المذكور منفردا بملك مصر إذا ذاك؛ فإن أهالي الإسكندرية كانوا قد ثاروا على أخته قليوبطرة، فهربت منهم إلى بلاد الشام، فلما قدم بمبيوس مصر أرى لبطليموس وزراؤه أن لا يوقع نفسه في ورطة الاشتراك معه، فأرسل له بطليموس جماعة لاستقباله وأمرهم بقتله، فقتلوه عند حضوره إلى شاطئ مصر.