وقد خلف بسامتيك الأول ابنه نخاو الثاني، فشرع في توصيل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط بواسطة أحد أفرع النيل، فلم تتم العملية، وكلف جماعة من الفينيقيين الذين كانوا في ذاك الوقت أشهر الأمم في الملاحة بالسياحة حول أفريقيا، فداروا حولها في مدة ثلاث سنوات مبتدئين من البحر الأحمر راجعين من بوغاز جبل طارق، ثم عزم هذا الملك على الدخول في بلاد الشام والتملك عليها. غير أنه في ذاك الوقت كانت مملكة بابل التي قامت بشواطئ الفرات وخلفت مملكة آشور في حكم آسيا، قد وصلت إلى غاية شوكتها ونهاية رفعتها، وامتدت أيضا من جنوب وادي الدجلة والفرات إلى البحر الأبيض المتوسط، فهزم ملكها بختنصر نخاو الثاني فالتزم نخاو بعقد الصلح معه، ثم خلف نخاو ابنه بسامتيك الثاني، ثم وح أبرع أوابرياس ابن بسامتيك، فأرسل جيوشه لفتح برقة بجهة تونس، فانهزمت عساكره، وأقاموا راية العصيان، وولوا أحد رؤساء الجيوش المدعو أحعمس أو أماسيس ملكا عليهم، فلما رجع تحارب مع الملك وهزمه وتولى هو ملك مصر، فحافظت مصر في عهد على رونقها وبهجتها. غير أنه في ذلك الوقت كان قد قام بآسيا مملكة العجم، وكانت هذه الدولة قد أدخلت في حوزتها جميع الممالك الواقعة في غرب نهر السند كمملكتي مادي وبابل اللتين قامتا على أثر مملكة آشور ومملكة ليديه القائمة بآسيا الصغرى وغيرها، حتى صارت هي الدولة المتسلطنة بآسيا الغربية جميعها، وقد امتدت من نهر السند إلى بحر الأرخبيل والبحر الأبيض المتوسط حتى صارت مجاورة تقريبا لمصر، فعزم أحد ملوكها المدعو كمبيز بن كيروش على فتوح هذه المملكة أيضا، فحضر إليها وقت موت أحعمس وإقامة ابنه بسامتيك الثالث ملكا عليها، فحاربه وأخذها منها، وأسس فيها العائلة السابعة والعشرين، وهي مبدأ الدولة الفارسية بمصر.
المطلب الرابع
في الدولة الفارسية بمصر
قد امتد حكم هذه الدولة على مصر نحو القرنين تقريبا (1147-954ق.ه)، وكان أول ملوكها بها الملك كمبيز الذي أغار عليها في عهد بسامتيك الثالث، فلما شرع هذا الملك في الإغارة عليها عقد معاهدة مع مشايخ قبائل العرب الذين لهم اليد على الطريق الموصلة إلى وادي النيل من صحراء برزخ السويس؛ ليرخصوا له بالمرور منها ويأتوا بالماء لجيشه، فسارت جيوشه في تلك الصحراء، حتى حلت أمام مدينة الطينة أو الفرما، فانتشبت الحرب بينهم وبين جيوش بسامتيك هناك، وقاوم اليونانييون المستأجرون في الجيشين مقاومة عظيمة، ثم انهزمت جيوش المصريين إلى مدينة منف لكثرة جيوش العجم، فأرسل إليهم ملك العجم رسلا ليسلموا المدينة ويذعنوا له بالطاعة، فلم يقبلوا منه وقتلوا الرسل، فغضب ملك العجم، وحضر بجيوشه إلى هذه المدينة وأحاط بقلعتها، وأقام محاصرا لها حتى استولى عليها عنوة، ووقع بسامتيك وجميع أمراء المملكة أسراء في قبضته، فقتلهم أمام بسامتيك، ثم أراد أن يقيمه ملكا على مصر بالتبعية له، لولا أن بلغه أنه عصب عليه عصبة، فقتله أيضا، وسلم حكومة مصر إلى أرياندس الفارسي.
فلما تم له فتوح مصر أظهر في أول الأمر علو الهمة والرأفة بالرعية والشفقة عليها، وسلك مسلك الأمن والراحة فلم يخل براحة البلاد وأمنيتها، بل أبقاها على عبادتها، وميز من بقي من المصريين بعلامات الامتياز، وقرب منه أمناء الديانة المصرية، ليتعلم ما اشتهروا به من العلوم والحكمة، ثم أراد أن يجعل مصر أساسا وطيدا لمشروعه، وهو أن يفتتح جميع بلاد أفريقية، فأرسل لغزو جمهورية قرطاجنة سفنا أعدها ببحرية من الفينيقيين، وكان هؤلاء الفينيقيون هم الذين عمرت قبائلهم مدينة قرطاجنة، فامتنعوا عن محاربة القرطاجيين بسبب القرابة التي بينهم، ووجه فرقة من جيشه تبلغ 50 ألف مقاتل لمحاربة واحة سيوة، فضلوا عن الطريق وتاهوا في الصحراء، فهبت عليهم ريح السموم فأهلكتهم عن آخرهم ولم ينج منهم أحد، وسار بنفسه لمحاربة بلاد الإثيوبية، واتخذ طريقه من الصحراء لكونها أقرب طريق، فانحرف عن شواطئ النيل، وأوغل بعساكره في الصحراء، فنفد زاده ولحق جيشه القحط والجوع حتى أكل بعضهم بعضا بالاقتراع من كل عشرة أنفار واحد ممن تقع عليه القرعة، فخسر خسائر عظيمة، وخاف على نفسه الهلاك فالتزم بالعودة إلى مصر بباقي جيوشه بعد أن فقد منهم كثير، فلما رجع إلى مصر استعمل مع أهلها القسوة بدل الرأفة وصارت أفعاله من يومئذ كلها اختلالات ومفاسد؛ فإنه لما وصل إلى مدينة طيبة أراد تعويض تلك الخسائر الجسيمة، فسلب أمتعة الهياكل وزينتها وذخائرها . ولما وصل إلى منف صادف دخوله فيها يوم الاحتفال بموسم إقامة العجل المسمى أبيس على التخت المعد لإقامته، فظن أنهم فرحون مستبشرون بهزيمته فقتل الكهان وأمراء الأديان وأرباب الحل والعقد دون أن يسألهم عن الأسباب، وطعن أيضا العجل معبودهم بخنجر فأدماه، ثم دخل معبد منف وسخر بتماثيل تلك العجول، ونهب جميع ما كان في المقابر القديمة، فنبش القبور طمعا فيما يوجد بها من النفائس القديمة، ولم يسلم من أعماله الذميمة قومه ولا أهله؛ فقد قتل كثيرا من أمراء العجم ودفن البعض حيا، وقتل أخاه وأخته التي تزوج بها على خلاف عادتهم، وقتل ابن أحد وزرائه ليبرهن لأبيه على صحوه مهما تعاطى من الشراب وغير ذلك، ثم خرج من مصر يريد الرجوع إلى بلاده، فمات ببلاد الشام قبل الوصول إليها بعد أن حكم سبع سنوات وخمسة أشهر.