وأما العائلة العشرون فكان أشهر ملوكها الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوكها الذي فتح بلاد البون؛ أي بلاد اليمن، وكانت مصر في عهده في الشوكة التي كانت عليها أيام تحتمس الثالث ورمسيس الثاني. غير أن هذه الحروب التي وقعت في عهد الثلاث عائلات المذكورة ومكثت نحو الثلاثة قرون قد أضعفت مصر؛ فأخذت قوتها في الانحطاط من وقتئذ، ثم ضعفت السلطة الملوكية بها أيضا، فابتدأ الاختلال في الحكومة، فاستولى على التدريج كهنة آمون بطيبة على وظائف الحكومة المهمة، ولم تزل تزداد سلطتهم حتى إن رئيسهم المدعو حرحور اغتصب السلطة الملوكية في أواخر أيام هذه العائلة.
المطلب الثاني
في تجزؤ مصر وإغارة الإثيوبيين والآشوريين عليها
وبعد حرحور أراد ورثاؤه أن يوطدوا سلطتهم على جميع أنحاء المملكة، فعارضهم في ذلك أمراء الوجه البحري، وأسسوا بمدينة تنيس العائلة الحادية والعشرين، واستقل القسس وهم كهنة آمون بالوجه القبلي بمدينة طيبة، فانقسمت مصر حينئذ إلى حكومتين، ووقعت فيها الحروب الداخلية فسقطت شوكتها الخارجية، وامتنع أمراء الشام من دفع الجزية، حيث كان أغلبهم انضم إلى مملكة بني إسرائيل، التي كانت قد بلغت غاية عظمها إذ ذاك في عهد داود وسليمان عليهما السلام، ثم قام رجل من رؤساء الجيوش بالوجه البحري شامي الأصل يدعى شنشق، فتغلب على السلطة الملوكية وأسس العائلة الثانية والعشرين، ثم وطد سلطته على جميع بلاد مصر وطرد القسس من طيبة وألجأهم إلى بلاد الإثيوبية الممتدة في جنوب مصر، فأسسوا فيها مملكة مستقلة تخت ملكها مدينة نباتة على بعد 900 كيلومتر من الشلال الأول.
غير أنه بعد شنشق ابتدأ انحطاط مصر ثانيا في عهد خلفائه، فأخذت في التجزئة ثانيا، وتلقب بالألقاب الفرعونية عشرون أميرا من أمرائها، منهم اثنا عشر بالوجه البحري، وكونوا العائلة الثالثة والعشرين، إلا أن أحدهم المدعو تفنخت أمير صا الحجر بالوجه البحري شرع في التغلب عليهم وتأسيس العائلة الرابعة والعشرين، فقاوموه واستعانوا عليه بملك الإثيوبية بعنخى الذي من ذرية حرحور، فحضر بعنخى إلى مصر واستولى عليها، ولكن بعد موته ولى المصريون بوكنرو أوبوكوريس بن تفنخت ملكا عليهم، ولكنه بعد أن حكم سبع سنوات أغار عليه ملك الإثيوبية شاباك أو سباكون حفيد بغنخى وتملك على مصر وأسس فيها العائلة الخامسة والعشرين. غير أنه في ذلك الوقت كان قد قام بوادي الدجلة والفرات مملكة آشور التي تخت ملكها بمدينة نينوى على شاطئ الدجلة، وكانت هذه الدولة قد بلغت غاية عظمها، ووصلت إلى أعلى شوكتها حتى صارت هي الدولة المتسلطنة في الشرق، فامتدت سلطتها على جميع البلاد الممتدة بآسيا من بحر الخزر إلى خليج العجم، ومن نهر الدجلة إلى البحر الأبيض المتوسط حتى صارت مجاورة تقريبا لمصر، فأراد سباكون أن يتداخل في أمور الشام ضد ملكها سرجون، فانهزم وهرب إلى بلاد الإثيوبية ولما تملك على مصر طهراقه الإثيوبي بعده، وأراد أن يدخل بلاد الشام أيضا، هزمه آشوراخي الدين ملك آشور وأخذ منه مصر التي تملك عليها من بعده ابنه آشور بابنبال.
المطلب الثالث
في تجدد مجد مصر ورونقها القديم
وبعد أن تخلصت مصر من الإثيوبيين والآشوريين بقيت في أيدي أمرائها العشرين الذين منهم اثنا عشر مكونون بالوجه البحري لحكومة تعاهديه تسمى بالمقاسمة الاثني عشرية، وكان من هؤلاء الأمراء ملك صا الحجر الذي من ذرية تفنخت المدعو بسامتيك الأول، فتغلب عليهم وأسس العائلة السادسة والعشرين التي كانت من أشهر عائلات مصر؛ فإن أيامها كانت كثيرة الخيرات والعمران، وفي عهدها كانت مصر زاهية زاهرة، قد قامت من دمارها وأصلحت فيها الطرق والترع والآثار، وعادت إلى الفتوحات، وفتحت أبوابها للتجار الأجانب وخصوصا اليونانيين، وردت إلى الصناعة حركتها الأولى، ورجع للفنون رونقها القديم، بل وامتازت تماثيل ذاك الوقت بدقة صنعتها وحسن بهجتها، وظهر بمصر في ذاك الحين كتابة أوجز وأبسط من الكتابة الهيروغليفية وأسرع منها تعرف بالكتابة الديموطيقية؛ أي العامية؛ لأنها كانت معروفة عند العامة، فانتشرت المؤلفات الأدبية والعلمية بمساعدة هذه الكتابة.