ولما ضعفت قوى محمد علي باشا العقلية واعتزل بسرايته تقلد بولاية مصر مكانه من لدن الحضرة السلطانية ولده إبراهيم باشا الذي ولد له بمدينة قولة بعد زواجه بقريبة حاكم مدينة براوسطا بسنتين، فتولى إبراهيم باشا سنة 1264ه في حياة أبيه، ولكنه كانت منيته قريبة فتوفي بالقاهرة سنة ولايته بعد أن حكم بضعة أشهر، ودفن في مدفن العائلة الخديوية بجوار الإمام الشافعي.
وقد تقلد بولاية مصر مكانه ابن أخيه عباس باشا ابن طوسون باشا ابن محمد علي باشا، وكان مولده سنة 1228، وكان جده يعزه كثيرا، فاعتنى بتربيته، ولما قبض على زمام الأحكام بمصر سار على مقتضى العدل والتبصر، فحافظ على النظام واستتباب الأمن والراحة في جميع أنحاء البلاد، وسهل طرق التجارة بأن مد بين القاهرة والإسكندرية أول خط من خطوط السكك الحديدية بمصر، وأصلح الطريق بين القاهرة والسويس، وأنشأ الخطوط التلغرافية، وأسس المدارس الحربية بالعباسية، ثم توفي في سرايته ببنها العسل سنة 1270ه، ودفن بالقاهرة في مدفن العائلة الخديوية.
فخلفه عمه محمد سعيد باشا رابع أولاد محمد علي باشا، وكان مولده سنة 1237ه، فأجرى كثيرا من الإصلاحات والتعديلات المفيدة لإدارة البلاد، فعدل الضرائب، واسترجع الأطيان من الملتزمين إلى أربابها، وطهر ترعة المحمودية، وأتم السكك الحديدية والخطوط التلغرافية التي ابتدأها سلفه، وساعد كل المساعدة على مشروع حفر قنال السويس، ثم توفي بسكندرية سنة 1279ه، ودفن بها.
فخلفه إسماعيل باشا ابن إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، وكان مولده سنة 1246ه، فبذل ما في وسعه لامتداد التجارة وازدياد الصناعة وتمدن البلاد؛ فملأ أرض مصر بالسكك الحديدية والخطوط التلغرافية، وحفر الترع ومد مجاري المياه بشوارع القاهرة والإسكندرية، وأضاء شوارعهما بالأنوار الغازية، ووسع فابريقات السكر التي أسسها سعيد باشا بالوجه القبلي، وأسس معمل الورق ببولاق ومعامل البارود والأسلحة الصغيرة بقرب طرة ولكنه لم يستعملها، وأنشأ الكتبخانة الخديوية التي بدرب الجماميز والمتحف المصري الذي كان ببولاق، ونقل الآن بسراي الجيزة الخديوية، وابتنى المباني الفاخرة كالأوبرا الخديوية بالقاهرة وتياترو زيزينيا بالإسكندرية وغير ذلك، وساعد على انتشار الزراعة، ونظم المدارس على أساسات وطيدة وأصول متينة، وأسس المحاكم المختلطة للنظر في الدعاوى بين الأجانب والوطنيين، وافتتح قنال السويس بالطريقة الرسمية بحضور جم غفير من أمراء وملوك أوروبا، وفي سنة 1282ه نال من الباب العالي خطا شريفا يأذن له بأن تكون حكومة مصر وراثية في عائلته مباشرة، وفي السنة التالية نال من إنعام جلالة السلطان عبد العزيز لقب خديوي، وهو أول من نال هذا اللقب الذي هو أرفع رتب وزراء الدولة، ثم جاءه في سنة 1290ه الفرمان الشاهاني يخول له كل الحقوق المعطاة لرتبة الخديوية؛ وهي حقوق الوراثة لأول أبنائه، والاستقلال بالأحكام الإدارية، وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية، واستقراض القروض، وزيادة الجيش أو تقليله بحسب اللزوم، وتقدير الجزية التي تدفع للدولة بمبلغ 150000 كيس.
ثم إن الأعمال التي أجراها إسماعيل باشا بمصر، وإن كانت أفادت البلاد بهجة ورونقا، وعادت عليها بالمنافع التجارية والصحية، إلا أنها كلفت الحكومة مصاريف لا قدرة لها عليها، فاضطرت إلى أخذ السلف من الدول الأجنبية، حتى أوجب ذلك تداخل تلك الدول في أمور المالية، فالتزم إسماعيل باشا بتسليم إدارة البلاد إلى مجلس نظار دخل فيه عضوان أجنبيان أحدهما فرنساوي والآخر إنجليزي، ثم رغب التخلص منهما، فأسقط تلك الوزارة وأبدلها بوزارة كلها وطنيون، فكان ذلك باعثا على إقالته من الحكومة المصرية، فتنازل عنها سنة 1296ه لأكبر أولاده أفندينا المعظم محمد توفيق باشا المولود في سنة 1269ه.