تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسافرت التجريدة في البر والبحر من جهة العريش والإسكندرية، وكان على الأسطول المصري إبراهيم باشا رئيس التجريدة، فنزل بيافا واجتمع بجيش البر، واستولى في أقرب وقت على غزة ويافا وحيفا، ثم سار إلى عكا وتملك عليها أيضا بعد أن حاصرها ستة أشهر برا وبحرا، وأسر فيها عبد الله باشا، وأرسله إلى الإسكندرية، ثم سار قاصدا دمشق فاستولى عليها، وبارحها إلى حمص، والتقى هناك بالجنود العثمانية التي كانت تحت قيادة محمد باشا والي طرابلس فهزمها شر هزيمة واستولى على حمص، فخافت سوريا سطوة هذا القائد العظيم، فسلمت له حلب وغيرها من مدن الشام، فبعث الباب العالي حسن باشا السرعسكر بجيش عثماني لإيقاف إبراهيم باشا، فلاقاه إبراهيم باشا عند إسكندرونة وانتصر عليه، فلما رأى السلطان محمود انهزام العساكر العثمانية أرسل السرعسكر محمد رشيد باشا بجيش عرمرم، فلما علم إبراهيم باشا بهذا الخبر قام بجيوشه من أدنة وقصد مضايق الطوروس، فدخل في سهول الأناضول وعسكر بجيشه في قونية منتظرا قدوم السرعسكر، فلما قدم هذا بجيشه الجرار اقتتل الجيشان فانهزم العثمانيون، ووقع السرعسكر أسيرا في قبضة إبراهيم باشا، ثم سار إبراهيم باشا حتى وصل إلى كوتاهية على مقربة من القسطنطينية، ففزع حينئذ السلطان محمود وطلب المساعدة من الروسية، فأرسلت له عشرين ألفا من الروسيين، فتداخلت الدول إذ ذاك في الأمر، وعقدت مع إبراهيم باشا معاهدة كوتاهية سنة 1248 التي من مقتضاها تقليد محمد علي باشا بولاية الشام مع مصر وتقليد ولده إبراهيم باشا بولاية إيالة أدنة والحرمين الشريفين.

أما الدولة العلية فقد أسرت أنها تنتقم لنفسها من محمد علي باشا متى وجدت فرصة ذلك، فصارت تجتهد غاية الاجتهاد في إعادة النظام لقوتها العسكرية وسفنها البحرية، وأخذت تحث الشاميين على العصيان، فلما أمر محمد علي باشا بجمع العساكر من جميع شبان سكان الشام ظهرت الفتن بجميع نواحي جبل لبنان، فاجتهد إبراهيم باشا في إخمادها. غير أن الدولة العلية كانت قد وجدت المهلة الكافية لتنظيم جيوشها، فجهزت جيشا عظيما تحت قيادة السرعسكر حافظ باشا زحف به إلى الجهات الشامية، فالتقى العسكران بجهة نصيبين (وهي نزيب عند الإفرنج)، فانهزمت الجيوش العثمانية وتقهقرت إلى مرعش سنة 1255ه، واتفق أن مات السلطان محمود في ذلك الوقت وتولى مكانه على كرسي السلطنة العثمانية السلطان عبد المجيد، فتوسطت الدول الأوروباوية دفعة ثانية بين الدولة العلية والحكومة المصرية، فأنفذت إلى محمد علي باشا معاهدة لوندرة الموقع عليها من دولة الإنجليز والدولة الفرنساوية ودولة الروسية ودولتي النمسا والبروسية التي من مقتضاها أن يكون له ولاية مصر مع مزية التوارث في عائلته وولاية عكا لمدة حياته فقط، فلم يقبل بها محمد علي باشا، فحضر الأسطول الإنجليزي إلى بلاد الشام، وتملك على بعض مدنها، ثم حضر إلى مصر وتهدد الإسكندرية، فرأى محمد علي باشا أن الأولى الإذعان إلى رأي الدولة. غير أن الدولة العلية امتنعت من أن تعطيه غير ولاية مصر الوراثية؛ لما رأت من تعضيد دولة الإنجليز لها، فأصدر له السلطان المعظم سنة 1257ه فرمانا بولايته على الديار المصرية والأقطار السودانية مع حق الوراثة عليها لعائلته الخديوية، وتقرر الخراج السنوي ستين ألف كيسة، وأن لا يزيد الجيش المصري عن ثمانية عشر ألف عسكري يلبسون نفس ملابس العساكر العثمانية، وأن كل وال يتوارث الحكومة المصرية يلزمه أن يحضر إلى الآستانة العلية ليتقلد بالوظيفة من يد الذات السلطانية.

ثم استعمل محمد علي باشا مدة السنوات الأخيرة من ولايته في حسن إدارة البلاد وترتيب مصالحها الداخلية، والتفت بالخصوص لإصلاح أحوال الزراعة والتجارة والصناعة، ولكن كان ثقل الكبر قد ظهر عليه وضعفت قواه العقلية، فوكل مباشرة إدارة الأمور إلى ولده إبراهيم باشا واعتزل في سرايته حتى توفاه الله سنة 1266ه في عهد ولاية حفيده عباس باشا، فتوفي في سكندرية بسراي رأس التين، وحملت جثته إلى القاهرة فدفنت بالقلعة بمسجده الذي بناه في جزء من موضع السراي التي كانت لصلاح الدين.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٣٨