وقد كان مبدأ هذا التجزؤ في عهد السلطان مصطفى الثاني لما انهزمت الترك على شاطئ نهر تسزا في واقعة زنطا؛ حيث التزم السلطان مصطفى بعقد معاهدة كارلووتز سنة 1110ه بينه وبين أوستريا وبولونية والروسية وجمهورية البنادقة، واشترط فيها أن تتنازل الترك عن هنكاريا وترنسيلفانية لأوستريا وعن بودولية وأوكرين لبولونية، وأن تحفظ الروسية البلاد التي تملكت عليها بشواطئ بحر أزوف، وأن تأخذ جمهورية البندقية جزيرة مورة ومعظم دلمائية، وأن تحذف جميع الجزيات التي كانت تدفعها الإمارات النصرانية، فكان هذا مبدأ عظم انحطاط الدولة، وإن كانت شمرت عن ساعد الجد في بعض حروبها بعد ذلك، واستردت بعض تلك الجهات، إلا أنه لم تأخذ ممالكها من وقتئذ إلا في التناقص؛ ففي سنة 1189ه وقع السلطان عبد الحميد علي معاهدة كاينارجي التي اعترفت فيها الترك باستقلال القرم التي استولت عليها الروسية فيما بعد، وتركت الدولة بناء على هذه المعاهدة للروسية حصون بحر أزوف والتتارية الصغرى، وسمحت لها بحرية الملاحة في البحر الأسود وبحر مرمرة، وقبلت بتجزئة بولونيا، ثم في أيام السلطان محمود الثاني الذي محا جيش الينكشارية سنة 1241ه استولت الروسية على بسارابية وشواطئ نهير بروطة بناء على معاهدة بخارست سنة 1226ه، واستقلت اليونان بعد حرب شديدة انتهت بمعاهدة أدرنة سنة 1244ه التي بناء عليها أيضا تملكت الروسية على دلتا الدانوب وصار ملدافية وولاكية يكونان لإمارة خراجية تحت حماية الروسية، ثم تملك الفرنساويون في عهده أيضا على بلاد الجزائر سنة 1245ه، وصارت مصر إمارة وراثية في عائلة محمد علي باشا سنة 1257ه، فلما كانت أيام السلطان عبد المجيد عقدت معاهدة باريس سنة 1272ه بعد حرب القرم بين فرنسا وإنكلترا والروسية وأوستريا وبروسيا وسردينيا والدولة، وبناء عليها صار محو الحماية التي كانت للروسية على إمارة ملدافية وولاكية، وصارت هذه الإمارة تحت رعاية الدول العظمى، ثم لما حصلت الحرب بين الدولة الروسية سنة 1295ه في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وانتهت تلك الحرب بمعاهدة صان ستفانو التي صار تعديلها في مؤتمر برلين في السنة المذكورة استقل بناء على هذه المعاهدة مملكة رومانية ومملكة الصرب وإمارة الجبل الأسود، وصارت بلغاريا إمارة خراجية.
المطلب الثاني
في ذكر السلطان سليم وفتوح العثمانيين لمصر
هذا الملك هو التاسع من سلاطين الدولة العثمانية، صعد على كرسي المملكة سنة 918ه، وحكم ثماني سنوات (918-926ه)، وقد تنازل له أبوه السلطان بايزيد الثاني عن الملك رغما عنه بإجبار من الينكشارية؛ وذلك أن السلطان سليم كان أصغر إخوته، إلا أنه كان محبوبا عند الينكشارية لميله إلى الحروب والغزوات بخلاف أخيه الأكبر كركود الوارث للسلطنة؛ فإنه كان مبغوضا عندهم لما يجدونه فيه من الميل إلى الفنون والعلوم، فلما رأى السلطان سليم ميل الينكشارية إليه وتعضيدهم له أقام على أبيه راية العصيان، ولم يزل يتظاهر عليه مرارا حتى التزم أبوه بأن يتنازل له عن الملك بناء على طلب الينكشارية، وقد كان هذا الملك ذا همة عالية وقريحة وقادة، شاعرا بليغا له القصائد الباهرة في الفارسية والتركية والعربية، محبا للعلم والعلماء، متيقظا لأمور المملكة، إلا أنه كان شديد البأس عظيم القسوة سفاكا للدماء، فإنه لما صعد على كرسي المملكة أراد أن يثبت قدمه فيها، فأمر بقتل أولاد إخوته، ثم قبض على أخويه كركود وأحمد اللذين نازعاه في الملك وقتلهما أيضا، وقتل سبعة من الوزراء أثناء سلطنته، وفي مبدأ حكمه أمر بقتل أربعين ألفا من الأهالي بدعوى أنهم من الشيعة، حتى كان ذلك سببا في وقوع الحرب بينه وبين إسماعيل شاه ملك العجم، فأغار السلطان سليم على بلاده بجيش مؤلف من 180000 مقاتل، وأوغل بهذا الجيش في تلك البلاد حتى وصل إلى سهل تشالديران، فتقابل بجيوش العجم هناك، وهزمهم وكسب منهم أموالا عظيمة. غير أنه التزم بالعود إلى بلاده بسبب القحط الذي لحق بجيشه وهيجان الينكشارية، ولكنه لم تخل هذه الحرب من فائدة له؛ فقد دخل تحت حكمه من ممالك العجم الكردستان وديار بكر وأرض الموصل، ثم وجه أنظاره لحرب مصر فأغار عليها سنة 922ه في عهد قنسو الغوري، فدخل بلاد الشام وتلاقى بجيوش قنسو عند مرج دابق بقرب حلب، فوقع بينهما قتال شديد، ففشل الجيش المصري لكثرة نيران الترك؛ حيث لم يكن معه من المعدات الحربية سوى الرمح والسهم، وأحدقت به الجيوش العثمانية، فانضم إلى الجيش العثماني خير بك قائد الجناح الأيمن بمن معه، والغزالي قائد الجناح الأيسر بمن معه، وبقي قنسو في القلب بمن معه، وأحاطت به الأعداء فأراد أن يهرب فسقط عن جواده وهلك تحت أرجل الخيل بعد أن قاتل قتالا تعجز عنه الأبطال، فدخلت حينئذ جميع بلاد الشام تحت حكم السلطان سليم، ولقب في الخطبة بخادم الحرمين الشريفين سنة 922ه.