وأما الجيش المنهزم ففر إلى مصر، وتجمع ثانيا تحت قيادة الملك الأشرف طومان باي الذي خلف قنسو الغوري على ملك مصر؛ فبعد أن وطد السلطان سليم سلطته على بلاد الشام سار قاصدا مصر حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة، وكان طومان باي لما جمع جيوشه سار لملاقاة العثمانيين حتى أتى الصالحية وعسكر هناك، فلما بلغه أن السلطان سليم عرج بجيشه إلى القاهرة حتى قرب منها تاركا الصالحية عن يمينه عاد طومان باي بجيشه لمهاجمته من الوراء، فالتقى الجيشان قرب بركة الحج في يوم الجمعة 29 ذي الحجة سنة 922ه، واقتتلا قتالا شديدا، فأظهر المماليك بسالة عظيمة لكنهم انهزموا أخيرا لوجود المدافع عند العثمانيين، ففروا إلى القاهرة، وأما العثمانيون فعسكروا في جزيرة الروضة، فجمع طومان باي من نجوا من جيشه، وضم إليهم عددا كبيرا من العربان بعد أن أرضاهم بالمال، وهجم على معسكر السلطان سليم هجمة اليأس ، فصده الحرس السلطاني، فعاد إلى القاهرة وأغلق أبوابها وحصن شوارعها، بحيث إن السلطان سليم لم يتمكن من فتحها إلا بعد المقاومة الشديدة من طومان باي والمماليك الذين معه، فقد ثبتوا ثباتا عظيما، وأظهروا من البسالة والإقدام ما لا مزيد عليه، فلم يسلم شارع إلا بعد واقعة خصوصية له، ولم يؤخذ بيت إلا بعد حصاره، وتغطت الأرض بجثث العثمانيين، فاقتص منهم العثمانيون قصاصا فظيعا؛ فإنهم لما دخلوا المدينة أمعنوا فيها قتلا ونهبا وحرقا، وفتحوا القلعة عنوة، وقتلوا من فيها، أما طومان باي فتمكن من الفرار على معدية قطع بها النيل إلى الجيزة، ومنها سار قاصدا الإسكندرية، فأقام بالوجه البحري يناوش الجيوش العثمانية على الدوام لا يترك لهم هدنة ولا راحة، فعزم السلطان سليم على أن ينهي الأمر معه، وسار قاصدا له بأربعين ألف مقاتل، فتخلت العربان عن طومان باي، فلم يقدر على الاستمرار على المقاومة لقلة جيوشه، فالتجأ إلى أحد مشايخ العربان، فسلمه هذا بعد بضع أيام إلى السلطان سليم، فأبقاه السلطان سليم مدة عشرة أيام، وصار يجتمع به، ويسأله في أمر محصولات البلاد وخراجها وإدارتها، ثم أمر بشنقه على باب زويلة في 19 ربيع الأول سنة 923ه، وبقيت جثته معلقة مدة ثمانية أيام، ثم أمر السلطان سليم بدفنها قرب قبر قنسو الغوري، وبعد دفنه بثلاثة أيام دخل السلطان سليم عاصمة الديار المصرية ظافرا في غاية ربيع الأول سنة 923ه، وبعد يسير نزل إلى الإسكندرية في فرقة من جيوشه لوضع الحماية عليها، ثم عاد إلى القاهرة ومكث فيها إلى 20 شعبان من تلك السنة، ثم بارحها قاصدا الروملي ومعه أموال عظيمة.
ولما فتحت الديار المصرية دخل تحت حكمه أيضا الأقطار الحجازية لارتباطها بها، وقد كان بمصر من الخلفاء العباسيين وقت فتوح العثمانيين لها محمد المتوكل على الله؛ الخليفة الثامن عشر من الدولة العباسية الثانية، فرأى السلطان سليم أن يقبض على الأزمة الدينية أيضا لتوطيد سلطنته، فخلعه من الخلافة وأرسله إلى الآستانة وخصص له راتبا معينا لنفقاته، فصارت الخلافة الإسلامية للعثمانيين من وقتئذ، وأول خلفائهم هو السلطان سليم، أما المتوكل على الله فقد عاد إلى مصر قبل وفاة السلطان سليم بيسير، وعاش فيها منفردا إلى أن توفاه الله سنة 945ه، فكان هو آخر الخلفاء العباسيين.
الفصل الثاني
وفيه مطلبان:
المطلب الأول
في ذكر مصر مدة حكم الدولة العثمانية
قد دخلت مصر تحت حكم هذه الدولة سنة 923ه؛ أي بعد انتصار السلطان سليم على طومان باي وأخذه منه مدينة القاهرة، واستمر حكمها بها نحو المائتين وتسعين سنة، فصار السلاطين العثمانيون يرسلون إليها ولاة من طرفهم حائزين لرتبة الباشاوية، بل وكان أغلبهم من الوزراء.
أما أول هؤلاء الولاة فكان خير بك أحد كبار رجال قنسو الذين انضموا إلى الجيش العثماني في واقعة مرج دابق، وقد ولاه السلطان سليم على مصر بلقب باشا، ولكنه لم يصرفه في البلاد كيف شاء، بل جعل واجباته إبلاغ الأوامر السلطانية لرجال الحكومة وللشعب ومراقبة تنفيذها، وحدد سلطته بكونه ألف له مجلس شورى من ضباط الجيش الذي أبقاه في مصر، وذلك أنه أقام في القاهرة وفي المراكز المهمة من القطر المصري اثني عشر ألف عسكري؛ منها ستة آلاف من الفرسان وستة آلاف من المشاة، وجعلها ستة وجاقات تحت قيادة خير الدين باشا أحد رؤساء الجيش العثماني، وأمره أن يقيم في القلعة، ولا يخرج منها لأي سبب كان، وكان على كل وجاق ضابط يلقب بالأغا يصحبه الكخيا والباش اختيار والدفتردار والخزندار والروزنامجي، فمن اجتماع هؤلاء الضباط من سائر الوجاقات كان يتألف مجلس شورى الباشا، فلا يقضي أمرا إلا بمصادقتهم، أما هم فكان لهم أن يوقفوه عن الإجراء وأن يستأنفوا إلى ديوان الآستانة عند الاقتضا، ولهم أيضا أن يطلبوا عزله حالما يشتبهون في مقاصده، ثم لأجل حفظ الموازنة بين الباشا والوجاقات جعل على إدارة الأقاليم اثني عشر أميرا من أمراء المماليك الذين هم في الأصل أعداء لكلا الفريقين، فكانت منفعتهم السياسية تحملهم على الانتصار للفريق الأضعف ليمنعوا الأقوى من الاستبداد، وكان هؤلاء الأمراء يعرفون بالسناجق؛ فإن مصر كانت منقسمة إلى اثنتي عشرة مقاطعة حربية كل منها تسمى سنجقلية يحكمها حاكم يقال له: سنجق أو بيك يعينه الديوان (وهو مجلس شورى الباشا) من أمراء المماليك الذين دخلوا تحت الطاعة العثمانية، فكان الباب العالي يرى في اختلاط إدارة البلاد بهذه الصفة مصلحة له، وهي حفظ سيادته عليها، وإن كان ذلك يؤدي إلى ما يؤدي من القلاقل والمتاعب في البلاد، ولم يزل خير بك باشا واليا على مصر حتى أدركته الوفاة سنة 928ه؛ أي بعد موت السلطان سليم بسنتين، وكانت أيامه كلها ظلما وجورا وعانت منه الأهالي المشاق والمتاعب العظيمة.