فلما خلفه بعد موته ابنه السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح فتح مدينة القسطنطينية سنة 857ه، ونقل إليها كرسي المملكة وبنى حصون الدردنيل، وهدم أسوار غلاتة من جهة البر، وأقام أسوار القسطنطينية، ونقل إليها من آسيا خمسين عائلة من المسلمين، ثم صار ينقل إليها الصناع من المدن التي يتملك عليها من أطراف المملكة، وتملك على أثينة وقورنتة وجزيرة مورة في أوروبا، وعلى مملكة طرابزون وإمارة كرمانيا في آسيا، ثم حاصر بلغراد فامتنعت عنه. ولما منعه أيضا عن التقدم شمالا الهنكاريون لمدافعتهم عن حدودهم وأهل رومانية لكثرة حصونهم بالكريات، انقلب إلى الجنوب، وأغار على ألبانيا فتملك عليها، ثم استولى على جزيرة نجربون من البنادقة، وعلى جزيرة القرم، وتوغلت جيوشه في إيطاليا، ودفعت له مدينة البندقية جزية سنوية في مقابلة حرية تجارتها في البحر الأسود، وتملك على مدينة أوترنقة على حدود مملكة نابلي، إلا أنها أخذت منه ثانيا، وأغار على جزيرة رودس ولم يتمكن من فتحها، ثم خلفه ابنه السلطان بايزيد الثاني، ولم يفتتح إلا بعض مدن في بلاد اليونان استخلصها من البنادقة، ووجه أنظاره لحرب المماليك بمصر، فخزل في حربه معهم أيضا، فلما خلفه ابنه السلطان سليم شمر عن ساعد الجد في أمر الفتوحات، فلم ينقطع عن الحرب مدة السنين الثمانية التي حكمها؛ فأغار أولا على بلاد العجم، وتملك على ديار بكر وأرض الموصل، ثم قصد دولة المماليك فدمرها وتملك على بلاد الشام ومصر، ودخل في حوزته حينئذ مكة والمدينة، وتنازل له الخليفة المتوكل على الله آخر الخلفاء العباسيين عن الإمامة، فصار أمير المؤمنين والخليفة على الدولة الإسلامية، ثم تملك على إيالة الجزائر أيضا، فعظمت شوكة هذه الدولة حيث صارت قابضة على معظم شطوط البحر الأبيض المتوسط مالئة له بسفنها الحربية، ولم يوجد في أوروبا جيش مثل جيشها المكون من الينكشارية.
ثم لما خلف السلطان سليم ابنه السلطان سليمان بلغت الدولة العثمانية في أيامه أقصى درجات المجد والرفعة ووصلت إلى غاية عظمها ومنتهى شوكتها؛ فقد كان السلطان سليمان ذا عقل وسياسة وبأس وسطوة؛ حضر ثلاث عشرة واقعة بنفسه، فأخذ بلغراد من الهنكاريين، وتملك على جزيرة رودس، ثم أخضع هنكاريا أيضا، وأخذ ملدافية من أوستريا، وأغار على بلاد العجم، فدخل بغداد وتملك على أرض الجزيرة، وضم إلى ممالكه تونس وطرابلس بأفريقيا وعدن ببلاد العرب، وبالجملة فقد كان هذا السلطان رجلا، فاضلا يحب العلم ويعظم العلماء، وكان رجلا شاعرا منشطا للعلوم والآداب، حتى صارت زاهرة زاهية في أيامه، وقد سمي بالقانوني؛ لكونه نظم أمور المملكة وأسس قوانينها، وكان أعظم الملوك العثمانيين، وبه انتهى عصر الشجاعة في الدولة العثمانية؛ فإن من بعده اعتكف الملوك العثمانيون في سراياتهم وتركوا مشاهدة الوقائع الحربية لأمراء جيوشهم، فكان هذا مبدأ انحطاطهم، وإن كانت الدولة حافظت مدة قليلة بعد ذلك على ما حصلت عليه من الفتوحات والرونق والبهاء، بل وزادت أيضا في فتوحاتها، إلا أن هذا لم يكن إلا بهمة بعض وزراء كانوا من عظماء الرجال، رزق الله بهم بعض الملوك الذين خلفوا السلطان سليمان على هذه الدولة، فحافظوا على عدم انحطاطها في أيامهم؛ ففي أيام السلطان سليم الثاني الذي خلف السلطان سليمان على سرير الملك حافظت الدولة على فتوحاتها، ودفعت لها أوستريا جزية سنوية، واعترفت لها بالسيادة على ملدافية وولاكية وترنسيلفانية، وتملك العثمانيون على بلاد اليمن، وافتتحوا قبرص من البنادقة، وفي عهد خلفه السلطان مراد الثالث أخذ العثمانيون من العجم طوريس وأذربيجان وشروان وجيورجيا، إلا أنه من هذا الحين ابتدأ قيام الينكشارية، فأخذت الدولة في الاضمحلال بسرعة، وظهر فيها زمن الفوضوية لتواصل هيجان الينكشارية وخلعهم للسلاطين وقتلهم لهم ولكبراء رجال الدولة، فأخذ انحطاط المملكة في الازدياد، وإن كان توقف برهة في عهد السلطان إبراهيم بهمة وزيره الهمام قاره مصطفى الذي ابتدأ فتوح كريد، وكذا في عهد السلطان محمد الرابع بهمة وزيريه الهمامين قبرولي محمد وابنه قبرولي أحمد؛ حيث تم فتوح كريد وفتحت أوكريفي وبودولية ودفعت بولونية الجزية للترك، وتوطدت سيادة الدولة على ملدافية وولاكية وترنسيلفانية، ولكن من هذا الوقت وقفت الدولة العثمانية عن الفتوحات بالكلية، ولم تكن حروبها إلا للمحافظة على حدودها فقط؛ فقد صارت حدودها الشمالية بأوروبا باعثا للنزاع بينها وبين جيرانها من الممالك الأوروباوية، فكانت تتركها تارة لهم وتارة تستردها منهم، حتى أضعفت قواها تلك الحروب وذهبت بثروتها فخرج من يدها معظم تلك البلاد ووصلت إلى ما هي عليه الآن.