تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب الثالث

| في الكلام على الدولة العثمانية ومصر مدة حكمها، وفيه فصلان

الفصل الأول

وفيه مطلبان:

المطلب الأول

في ذكر الدولة العثمانية

أصل هذه الدولة قبيلة من التركستان هاجرت من جهة خراسان تحت رئاسة سليمان شاه ابن قايا ألب أيام إغارة جنكزخان، وكان عددها 50000 نفس، فأتت هذه القبيلة إلى بلاد أرمينية واستوطنت هناك على شواطئ الفرات سنة 621ه، ثم بعد مضي بضع سنين اشتاق هؤلاء القوم إلى رؤية أوطانهم، فأزمعوا على الرجوع إليها. غير أنهم بينما كانوا يعبرون نهر الفرات غرق فيه أميرهم سليمان شاه سنة 629ه، ولا يزال قبره إلى الآن هناك، فافترق القوم حينئذ إلى فريقين؛ رجع أحدهما إلى خراسان تحت رئاسة ولدي سليمان شاه الكبيرين، وأقام الفريق الآخر بوادي أراكس الأعلى وبسهل أرضروم تحت رئاسة ولديه الآخرين دوندار وأرطغرل، وكان عدد هذا الفريق أربعمائة عائلة، فبعد أن أقام أرطغرل زمنا قليلا بتلك الجهة عزم على المسير بقومه إلى جهة الغرب ليبحث على أرض أخصب من الأرض المقيم فيها، فبينما هو سائر وإذا به قد صادف جيشين في حومة الميدان، وكان هذا الجيشان هما جيش التتار والمغول وجيش علاء الدين السلجوقي ملك قونية، فانضم أرطغرل بقومه إلى أقل الجيشين عددا ونصره على عدوه، فإذا بالجيش المنتصر هو جيش علاء الدين السلجوقي، فأقطع علاء الدين أرطغرل الأراضي الواقعة على نهر صنجاريوس وأراضي قرجه ضاغ بشرق جبل أولمبة بالقرب من مدينة أنقورة في الشمال الشرقي من قسم فريجية، وذلك في سنة 663ه، ثم زاد علاء الدين في إقطاعات أرطغرل نظرا لكونه خدمه ونصره مرارا على اليونانيين، فكانت تلك الأراضي منبع الدولة العثمانية، وبعد أن طرد أرطغرل التتار من ممالك علاء الدين وتوج نصره بفتوح كوتاهية وأخذها من اليونانيين تنازل سنة 687ه لكبر سنه عن رئاسة العساكر لولده عثمان المولود سنة 657ه، فاستمر عثمان على محاربة اليونان؛ حيث كانوا لم يزالوا يمتلكون بآسيا بعض الحصون، فأخذ منهم قره حصار وكانت حصنا منيعا، فأعطاه علاء الدين مكافأة له على أعماله جميع الأراضي التي افتتحها مع لقب بيك، وخلع عليه، وسمح له بأن يضرب الدراهم باسمه، وأن يخطب له على المنابر.

ثم لما حصلت إغارة المغول وهرب علاء الدين الثالث آخر ملوك دولة آل سلجوق ملتجئا إلى قيصر الروم تجزأت مملكته من بعده، فاستقل حكام الأقاليم فيها كل بقسمه، وكان في قبضة عثمان إذ ذاك معظم إقليم بطينية وجزء من إقليمي غلاثية وفريجية وجزء من وادي صنجاريوس الأعلى، فتلقب ببادشاه عالي عثماني، أي سلطان العثمانيين، سنة 699ه، واتخذ مركز حكومته بمدينة بني شهر، ثم أخضع باقي إقليم بطينية، وتقدم لغاية شواطئ بحر مرمرة.

وبعد أن انقطع عن الفتوحات بضع سنين لينظم أمور مملكته عاد إليها ثانيا؛ فجعل ابنه أورخان على رئاسة العساكر ووجهه لحصار مدينة بروسة، فتملك عليها بدون أدنى مقاومة سنة 726ه، ونقل إليها تخت المملكة من وقتئذ، أما السلطان عثمان فقد حضرته الوفاة وقت فتوحها فخلفه أورخان ابنه الثاني؛ لاشتغال ولده الأكبر علاء الدين بالعلوم وعدم اهتمامه بأمر الملك، فاتخذ أورخان علاء الدين المذكور وزيرا له، فكان أول من تلقب بلقب باشا، وأول مشرع في الدولة العثمانية؛ إذ بمساعدته نظم أورخان أمور المملكة الإدارية والعسكرية حتى صار يعد المؤسس للدولة العثمانية حقيقة؛ فهو أول من ضرب النقود باسمه في هذه الدولة، وأول من أسس الجيوش فيها من ينكشارية وغيرهم، وبينما كان علاء الدين يرتب أمور المملكة كان السلطان أورخان يوسع حدودها بالفتوحات، فتمم طرد اليونانيين من شواطئ نهر صنجاريوس وبحر مرمرة، وتملك على مدينتي نيكوميدية ونيسية وغيرهما من الحصون، وبنى بنيسية المدارس وتكية للفقراء، ثم تملك على إقليم برغامة وغيره حتى وصل إلى بحر الأرخبيل، وبعد ذلك مكث نحو العشرين سنة مشتغلا بتنظيم المملكة وبناء المدارس وتنشيط العلوم والعلماء، حتى صارت مدينة بروسة تخت المملكة مقرا للعلوم والمعارف، وفي ذلك الوقت كانت مملكة الروم المسماة بالدولة السفلى في غاية الانحطاط؛ قد عظم فيها الشقاق وكثرت الفتن والثورات، فأرسل ملكها قيصر القسطنطينية إلى السلطان أورخان ليستعين به على الصربيين، ويعرض عليه ابنته للزواج، فكان ذلك سببا في ازدياد طمع العثمانيين في فتوح ممالك هذه الدولة؛ حيث إن دخولهم أوروبا سمح لهم بمشاهدة اضمحلالها والوقوف على خفاياها، فلما كانت سنة 758ه عبروا بوغاز الدردنيل ليلا، وتملكوا على مدينتي تزيمبة وجاليبولي وغيرهما، ثم لما خلف السلطان مراد الأول أباه السلطان أورخان على سرير الملك زاد في الفتوحات بأوروبا وآسيا، فتملك على أدرنة سنة 762ه، ونقل تخت المملكة إليها، ووقعت جميع بلاد طراسة التي سميت بالروم إيلي في قبضته، ودخل الترك في أيامه بلاد الصرب، وتملكوا على كثير من مدنها، وبلاد البلغار، وأخذوا فيها صوفية، وأما في آسيا، فقد امتدت حدود الدولة العثمانية في أيامه إلى بلاد أرمينية، ولما خلفه ابنه السلطان بايزيد الأول تمم فتوح بلاد الصرب والبلغار، ثم وجه أنظاره للتملك على الدولة السفلى؛ فدمر تساليا وعبر الترموبيل وخرب فوسيدة وبيلوبونيزة، وهي جزيرة مورة. غير أن ذلك كان وقت ظهور تيمورلنك الفاتح التتاري الذي أرعب جميع بلاد آسيا، فدهم هذا الفاتح السلطان بايزيد بجيوشه، وهزمه في واقعة أنقورة بآسيا الصغرى وأخذه أسيرا، وتملك على جميع آسيا الصغرى لغاية إزمير، فكانت هذه الوقعة مصيبة على الدولة العثمانية، أوشكت أن تقضي عليها بالانحلال؛ فقد قامت فيها بعد موت السلطان بايزيد الحروب الداخلية نحو العشر سنين بسبب تنازع أولاده الثلاثة سليمان وموسى ومحمد الملك، حتى كادت أن تسقط المملكة، لولا أن محمدا أمكنه أن يتغلب على أخويه ويوطد سلطته على جميع ولايات المملكة، فلما خلف هذا ابنه السلطان مراد الثاني استرجع سالونيك من البنادقة أهل مدينة البندقية، وحاصر مدينة بلغراد ولكنه لم يتمكن من فتحها، وعقد هدنة لمدة عشر سنين مع الهنكاريين. غير أنهم لم يحافظوا عليها، بل عادوا إلى الحرب عندما وجدوه تنازل عن الملك لابنه محمد البالغ من العمر أربع عشرة سنة واعتكف في مينيزيه، فرجع إلى الملك وهزمهم شر هزيمة عند مدينة ورنة، ثم تنازل عن الملك ثانيا لولده المذكور، ولكنه التزم بالعود إليه ثالثا لتوطيد النظام لما ثار على ولده الينكشارية، فابتدأ حينئذ عصر جديد في الفتوحات؛ فقد استولى على قورنتة وبتراسة، وخرب بيلوبونيزة ولكنه لم يتمكن منها.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٢٩