تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد موته صار الخليفة المستعين بالله إماما دينيا وسلطانا سياسيا؛ أي بيده أزمة السلطة الدينية والسياسية، فتلقب بالملك العادل، وقلد شيخ المحمودي الوزارة، وأخذ في إصلاح حال البلاد وترتيب إدارتها بغيرة ونشاط، وخفف الأموال على الأهالي. غير أن شيخ المحمودي أخذ في دس الدسائس حتى جرد المستعين بالله من السلطة تقريبا وجبره على أن يشركه معه في السلطنة باسم الملك المؤيد، فاجتهد المستعين بالله في خلعه بعد ذلك فلم يتمكن، بل جاء الأمر بالعكس؛ فإن شيخ المحمودي تمكن من خلع الخليفة وانفرد بإدارة البلاد فأصلح حال الرعية، وكان خيرا عاقلا، من أحسن الملوك، محبا للعلماء، وهو الذي بنى جامع المؤيد بقرب باب زويلة، وبعد موته خلفه ثلاثة ملوك على التعاقب في مدة سنة، ثم تولى الملك الأشرف سيف الدين برسباي، وهو أعظم ملوك هذه الدولة وأجدرهم بالملك؛ فإنه كان أرفعهم همة وأشدهم عزيمة وأكثرهم تدربا في الأحكام، وأصله معتوق الملك الظاهر تتر الملك الثاني قبله، فلم يزل هذا الملك يرقيه حتى رفعه إلى رتبة أمير، ثم صار وصيا على الملك في عهد ابنه، فلما خلع هذا من الملك خلفه برسباي فأحسن السياسة واستعمل الحزم، فاستتبت الراحة وظهر الأمن في البلاد، وقد انتصر برسباي على الفرنج مرارا، وتملك على جزيرة قبرص وضرب الجزية على ملك بيت المقدس، ومن مآثره بناء جامع الأشرفية بالقاهرة، وبعد موته خلفه ثمانية ملوك لا يرى فيهم من يستحق الذكر إلا الملك الظاهر خوش قدم؛ فإنه كان من أعقل ملوك هذه الدولة وأعظمهم حكما؛ استتبت الراحة وظهر الأمن في مصر في أيامه، ثم تولى الملك الأشرف قايتباي وكان من أشهر ملوك هذه الدولة، فاستتبت الراحة في مصر، وتوطد فيها إلا من مدة الست سنين الأول من حكمه، ثم وقعت الحروب بينه وبين بايزيد الثاني ملك العثمانيين، فكان النصر في الغالب لجيوشه، فاغتاظ بايزيد وألف جيشا جرارا تحت قيادة علي باشا، ففزع قايتباي وطلب الصلح من بايزيد فلم يقبله.

وعادت الحروب بالقرب من مدينة طرسوس، وكانت الجيوش المصرية تحت قيادة الأمير الأزبكي، فانهزم علي باشا شر هزيمة، فانتهز قايتباي حينئذ فرصة نصره وتخابر مع بايزيد في أمر الصلح، فرفض ذلك بايزيد أولا ثم قبله بشرط أن ينجلي المصريون عن طرسوس وأدنة اللتين تملكوا عليهما من المدن العثمانية، وإلا دعا جميع أهالي الدولة العثمانية إلى حمل السلاح في الواقعة الآتية، فقبل قايتباي هذا الصلح مراعاة للسلام سنة 896 ثم خلفه بعد موته خمسة ملوك على التعاقب، وكانوا جميعا في غاية العجز عن القيام بالملك؛ فكان الواحد منهم يحكم بعض أشهر ثم يخلع أو يقتل، وبعد ذلك اجتمع أعيان مصر مع أمراء المماليك لينتخبوا سلطانا لهم، فانتخبوا الأمير قنسو الغوري ولقب بالملك الأشرف، وهو من مماليك السلطان قايتباي، وكان أقلهم مالا وأضعفهم حالا؛ لم يتداخل قط في أمور المملكة، فامتنع عن السلطنة أولا ثم قبلها بشرط أنهم إذا أرادوا خلعه يوما فلا يقتل، وقد اجتهد في إيجاد الراحة، والأمن في جميع أنحاء مصر، وفي تحسين إدارة البلاد، وشيد بالقاهرة جامعه المشهور باسمه الآن، فلما كانت سنة 918ه، التجأ إلى مصر كركود أخو السلطان سليم بن بايزيد بعد أن نازع أخاه في السلطنة العثمانية، فأجاره قنسو الغوري، فغضب السلطان سليم واستعد لمحاربة مصر، وكان وقتئذ في حرب أيضا مع العجم، فأراد قنسو مقاومته وتحالف مع إسماعيل شاه ملك العجم. غير أن ذلك لم يجد نفعا، بل شتت السلطان سليم جيش المصريين والعجم، ثم أوغل بجيوشه في بلاد الشام فتقابل بجيوش قنسو عند مرج دابق بقرب حلب فهزموهم، ومات قنسو في هزيمته في رجب سنة 922 بعد أن حكم خمس عشرة سنة وعشرة أشهر، فخلفه على ملك مصر ابن أخيه الملك الأشرف طومان باي، فلم يلبث أن حضر السلطان سليم إلى مصر وقبض عليه وأمر بشنقه على باب زويلة في 19 ربيع الأول سنة 923ه، فانتهت حينئذ دولة الجراكسة، وصارت مصر من وقتئذ جزءا من الدولة العثمانية.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٢٨