ومن آثار بيبرس بمصر الجامع الكبير المسمى باسمه الذي بناه خارج باب الحسينية، وقد توفي سنة 676ه بعد أن حكم سبع عشرة سنة، وترك مصر في أعلى درجة من المجد والرفعة والثروة والشوكة، وقد ترك من الأولاد ثلاثة خلفه على الملك اثنان منهم على التعاقب، ثم تولى بعدهما سيف الدين قلاوون الألفي، وتلقب بالملك المنصور، وهو الذي بنى للفقراء الدار المعروفة بالبيمارستان التي أتمها وأصلحها ابنه الملك الناصر، وفي أيامه أغار التتار على بلاد الشام، فخرج إليهم بعسكر المصريين وهزمهم ثم تغلب على مدينة طرابلس الشام وأخذها من الفرنج بعد مقاومة شديدة فهدمها وذبح أهلها، وقد خلفه بعد موته ابنه صلاح الدين خليل، ولقب بالملك الأشرف، فخرج في السنة الثانية من حكمه سنة 690ه إلى بلاد الشام، وحاصر الفرنج بعكا، وكانت آخر مدينة يمتلكونها في الشرق فتملك عليها وهدم أسوارها، ولما رجع إلى مصر لم يلبث أن خرج منها ثانيا، وأغار على بلاد أرمينية فخرب بلادها، وتملك على مدينة أرضروم، وكانت حصينة منيعة، فلما عاد بعد ذلك إلى مصر تواطأت إحدى جواريه مع مملوك له يدعى بيدارا وقتلاه بعد أن حكم ثلاث سنين، وإليه ينسب الخان المشهور بالخان الخليلي في السكة الجديدة في القاهرة، وكان بهذا المكان قبل ذلك مدافن الخلفاء الفاطميين، فبنى الخان على أنقاضها، ولما مات الملك الخليل خلفه قاتله بيدارا، لكنه لم يحكم سوى يوم واحد، ثم قتل فتولى محمد بن قلاوون، ولقب بالملك الناصر، وكان عمره تسع سنوات فجعل زين الدين كتبغا وصيا على الملك، فلم يلبث أن خلع الملك الناصر ونفاه إلى الكرك، وتولى هو الملك وتلقب بالملك العادل، ثم خلع فخلفه حسام الدين لاجين، ثم سيف الدين طفجي، ولم يحكم هذا سوى يوم واحد، ثم قتل فأعيد إلى الملك الناصر بن قلاوون، وكان عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة تقريبا، فخرج بعد عوده إلى الملك بمدة يسيرة إلى بلاد الشام لمحاربة التتار، فانهزم جيشه أولا لكنه جمعه ثانيا وأمده بالعدد والرجال، ورجع إلى التتار فهزمهم شر هزيمة وعاد منصورا إلى القاهرة، ثم خاف على نفسه لما علم بمؤامرة أمراء المماليك ضده، فخرج من مصر مع كثير ممن يعتمد عليهم مظهرا أنه يريد الحج، وتوجه إلى الكرك وتحصن فيه، وأرسل لأمراء المماليك بأنه تنازل عن ملك مصر، فولوا ركن الدين بيبرس الجاشنكير الملقب بالملك المظفر، فلم يلبث أن حضر الملك الناصر إلى مصر ثانيا وتملك عليها إلى أن مات سنة 741، وقد أصلح مصر وبنى بها كثيرا من المدارس، وتمم البيمارستان الذي كان ابتدأ أبوه بناءه ووسعه وأوقف عليه أوقافا كثيرة، وقد ترك ثمانية أولاد ذكور تناوبوا الملك بعده الواحد بعد الآخر، إلا أن مددهم جميعا كانت قصيرة جدا خالية من الرونق والبهاء؛ فكان الواحد منهم يجلس على كرسي المملكة ثم يخلع في وقت قريب، وكان منهم الملك الناصر ناصر الدين حسن صاحب الجامع المعروف بجامع السلطان حسن الذي بالرميلة بقرب القلعة .
ولم يزل ملك مصر في عائلة السلطان قلاوون إلى آخر أيام هذه الدولة؛ فإن الأربعة ملوك الذين خلفوا أولاده الثمانية على سرير الملك كانوا أيضا من ذريته، فلما تولى الملك الصالح حاجي وهو آخر الأربعة، وكان عمره ست سنوات لم يلبث وصيه على الملك الأمير برقوق أن خلعه ونفاه، وتولى هو على السلطة الملوكية، فكان أول سلاطين دولة المماليك الثانية، وهي دولة الجراكسة.
المطلب الثاني
في دولة المماليك الجراكسة
تسمى هذه الدولة أيضا بدولة المماليك البرجية؛ لأن أمراءها كانوا على الأخص مكلفين بحفظ الأبراج؛ أي القلاع في عهد المماليك البحرية، وقد حكمت 139 سنة (784-923ه)، تسلطن في أثنائها على مصر خمسة وعشرون أميرا من هؤلاء المماليك؛ أولهم السلطان برقوق، وأصله مملوك الأمير يلبغا أحد المماليك البحرية، كان قد اشتراه سنة 762، فاعتنى بتربيته حتى رفعه إلى رتبة أمير، ولم يزل حتى صار وصيا على الملك في عهد الملكين الأخيرين من المماليك البحرية؛ حيث كان والدهما الملك الأشرف كلفه بتربيتهما، فلما كانت أيام الملك الثاني منهما، وهو الملك الصالح حاجي آخر سلاطين المماليك البحرية عزم برقوق على الاستقلال بالملك، فخلع هذا الملك ونفاه، واستقل بالملك فصار سلطانا وتلقب بالملك الظاهر، وفي أيامه كان ظهور تيمورلنك فخاف برقوق على ممالكه منه، وخرج بجيوشه إلى بلاد الشام للمحاماة عنها، فلم يقدر تيمورلنك على الإغارة عليها، فبينما كان برقوق متغيبا في بلاد الشام قام عليه الخليفة المتوكل على الله واتفق مع بعض الأمراء على خلعه من الملك ونفيه إلى الكرك، فرجع حينئذ إلى سلطنة مصر حاجي بن شعبان آخر سلاطين دولة المماليك البحرية. غير أن الأمراء لم يلبثوا أن أسفوا على خلع برقوق، فأعادوه إلى السلطنة بعد ثمانية أشهر وخلعوا حاجي بن شعبان ثانيا، فلما عاد برقوق إلى السلطنة حافظ على السلام بقية مدته، واشتغل بالتجهيزات الحربية خوفا على بلاده من التتار والعثمانيين، وكان حكمه مع العدل والحكمة؛ حتى إنه عند موته أسف عليه جميع الأهالي، وقد خلفه ابنه فرج زين الدين ولقب بالملك الناصر، فأذعن بالطاعة لتيمورلنك خوفا منه؛ حيث كان هذا الفاتح التتاري أغار في أيامه على بلاد الشام، فقام عليه المصريون وخلعوه وولوا مكانه أخاه عبد العزيز، غير أنهم لم يلبثوا أن أعادوه إلى السلطنة، فتملك على دمشق وغيرها من بلاد الشام، ثم قام عليه أحد أمراء المماليك المدعو أبا النصر، وقد كان يلقب شيخ المحمودي، فتحزب مع الخليفة المستعين بالله وحارباه فهزماه، فقبض عليه وحكم عليه بالقتل.