تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما استتبت الراحة والأمن بأرض مصر شرع أبو الحسن جوهر في تشييد عاصمة جديدة لها ليفاخر بني العباس ببنائهم بغداد، فأخذ في تخطيط القاهرة سنة 359 هجرية، فأدار على مناخه الذي نزل فيه بالعسكر سورا يبتدئ من حدود الفسطاط ويتجه إلى الشمال متباعدا عن الشاطئ الشرقي للنيل، ثم يتجه إلى الجنوب لغاية أسفل الجبل المقطم حتى يعود إلى حدود الفسطاط ثانيا، فكان بداخله الجهات المسكونة قبلا؛ القطائع والعسكر وطولون، وبنى بالمدينة قصرين سكنهما الخلفاء الفاطميون، وكان تمام بنائهما سنة 361ه، فعزم المعز لدين الله على ترك ممالكه المغربية والانتقال إلى بلاد مصر ليتمتع بفتوحاته، فركب البحر في أواخر شوال من هذه السنة، ونزل على سردينيا أولا ثم على صقلية وكانتا من ضمن ممالكه، وبعد أن مكث بضعة أشهر في هاتين الجزيرتين ونظم أحكامهما ارتحل إلى طرابلس الغرب، ثم سافر إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة، فدخلها في رمضان سنة 362ه، وسكنها بجميع أولاده وأهله، وجعلها مركز حكومته، واتخذ جوهرا وزيرا له، فأسس الجامع الأزهر وأسس فيه كتبخانة عظيمة، وجعله مدرسة للعلم الشريف تدرس فيه جميع العلوم النقلية والعقلية، حتى صار أشهر مدرسة في الشرق، وأبهج مكان يؤمه الناس من سائر الأقطار الإسلامية لطلب العلم، وصارت القاهرة مقر المعارف. أما المعز لدين الله فلم يمكث زمنا طويلا في عاصمة بلاده الجديدة؛ فقد توفي بها في ربيع الآخر سنة 365 وعمره خمس وأربعون سنة ونصف، بعد أن حكم ثلاثا وعشرين سنة ونصفا؛ منها ثلاث تقريبا بمصر والباقي بالمغرب، وقد كان المعز عالما فاضلا جوادا شجاعا حسن السيرة منصفا للرعية.

الفصل الثاني

وفيه مطلبان:

المطلب الأول في الدولة الأيوبية

حكمت هذه الدولة إحدى وثمانين سنة (567-648ه)، وهي تسمى أيضا بالدولة الكردية؛ فإن أمراءها أكراد، وقد كانوا قبل مجيئهم إلى مصر من قواد الملك نور الدين ابن الأتابك عماد الدين زنكي بالشام، فلما أخذت الدولة العلوية بمصر في التلاشي في أواخر أيامها، وصار استبداد وزرائها على خلفائها هرب شاور وزير العاضد العلوي بها من ضرغام الذي نازعه في الوزارة إلى الشام ملتجئا إلى نور الدين ومستجيرا به، وطلب منه إرسال العساكر معه؛ ليعود إلى منصبه، ويكون له ثلث دخل البلاد، فجهز له نور الدين الجيوش وقدم عليها أسد الدين شيركوه وسيرها معه إلى مصر، فأعيد إلى الوزارة، فعاد عما كان وعد به نور الدين، وغدر بأسد الدين واستنصر عليه بالفرنج، فالتزم أسد الدين بالعود إلى الشام، ثم أعاده نور الدين إلى مصر مع جماعة من الأمراء منهم صلاح الدين يوسف بن أيوب لما اشتد الحال بالمصريين من مضايقة الفرنج لهم؛ حيث أرسل إليه العاضد لدين الله يستغيث به من محاصرة الفرنج للقاهرة، فلما قرب أسد الدين مصر رحل الفرنج إلى بلادهم بالشام، فوصل أسد الدين إلى القاهرة، واجتمع بالعاضد لدين الله فخلع عليه، وفرح به أهل مصر، وأخذ شاور يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل لنور الدين، فخاف العسكر شره، فاتفق صلاح الدين مع بعض الجند على قتله، فقبضوا عليه وقتلوه بموافقة العاضد لهم، فدخل أسد الدين القاهرة وقلده العاضد وزارة مصر، ولقب الملك المنصور أمير الجيوش، فأقام بالوزارة شهرين تقريبا، ثم توفي في جمادى الآخرة سنة 564، فقام مكانه ابن أخيه صلاح الدين ولقب الملك الناصر، فتمكن من الوزارة، وضعف أمر العاضد فكتب إليه نور الدين يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية، فامتنع في أول الأمر، فألح عليه وألزمه بذلك فلم يمكنه مخالفته، فأمر بالخطبة للمستضيء بأمر الله الخليفة الثالث والثلاثين من الخلفاء العباسيين ببغداد.

وكان قد اتفق أن العاضد مرض في هذا الوقت مرضا شديدا، فانحاز إلى قصره ولم يخرج منه، ولم يعلم بما يصير في الخارج، فتوفي في يوم عاشوراء سنة 567، ولم يعلم بقطع الخطبة، فاستولى صلاح الدين على بلاد مصر، ثم ضم إليها بلاد الشام وأرض الجزيرة، فلما مات اقتسم أولاده الستة عشر ممالكه، فأخذ أكبر أولاده نور الدين علي الملقب الملك الأفضل الشام السفلى مع مدينة أورشليم والشواطئ البحرية، وجعل تخت ملكه مدينة دمشق، واستولى غياث الدين الغازي الملقب الملك الظاهر على الشام العليا، واتخذ تخت ملكه بمدينة حلب، وصارت مصر من نصيب عماد الدين عثمان الملقب الملك العزيز، وأما باقي أولاده فقد اكتفوا بما لديهم من الولايات الصغيرة، واعترفوا بالتبعية للثلاثة المذكورين، وقد استقل بجهة الكرك الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو صلاح الدين. غير أنهم لم يلبثوا أن وقعت بينهم المنافسة، فاتحد الملك العادل سيف الدين مع الملك العزيز سلطان مصر على خلع الملك الأفضل من مملكة دمشق، فحكم حينئذ الملك العزيز على مصر والشام، وبعد موته خلفه عليهما ابنه الملك المنصور وعمره ثمان سنوات، فكفله أولا عمه الملك الأفضل . غير أنه لم يلبث أن حضر الملك العادل وأخذ منه كفالة الملك المنصور، ثم خلع هذا من الملك وتقلده هو، فصار بيده تقريبا جميع الدولة الأيوبية؛ ففي أثناء ذلك كان الفرنج قد قويت همتهم بعد أن هزمهم شر هزيمة صلاح الدين، فهموا بالإغارة على بلاد الشام، فالتزم الملك العادل بالخروج إلى الشام لملاقاتهم، فحصلت بينهم وبينهم عدة وقائع، ثم عزم على العود إلى مصر للمدافعة عن دمياط حيث كان الفرنج أتوا لمحاصرتها، فتولى هناك قبل وصوله إلى مصر، فخلفه ابنه شرف الدين الملقب الملك الكامل، فاسترجع من الفرنج مدينة دمياط. غير أنه ترك لهم بعض مدن الشام، ثم استولى أيضا على حلب، فصار بيده جميع الممالك الأيوبية، وبعد موته خلفه ابنه سيف الدين أبو بكر الملقب بالملك العادل الثاني، فلم يلبث أن خلعه الأمراء، وولوا مكانه أخاه الملك الصالح حاكم دمشق، فلما صعد على كرسي المملكة اتخذ له حرسا من المماليك الأتراك لخوفه من هؤلاء الأمراء الذين جردهم فيما بعد من وظائفهم فبغضوه بغضا عظيما، حتى إن بعض أمراء الشام تآمروا مع الفرنج على محاربة مصر، فسافر الملك الصالح إلى الشام وتحالف مع بعض قبائل كانوا هاجروا من جهة خوارزم بسبب إغارة جنكزخان وسكنوا في شمال بلاد الشام، وهجهم بهم على الفرنج وأمراء الشام المتحالفين معهم، وأخذ منهم أورشليم ودمشق وجميع الحصون التي على الشاطئ، ثم التزم بالعود إلى مصر؛ فإن الفرنج كانوا قد نزلوا على دمياط تحت قيادة ملك فرنسا لويز التاسع.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٢٤