فلما حضر الملك الصالح إلى المنصورة كان الفرنج قد تملكوا على دمياط وأغاروا على المملكة، فاغتاظ الملك الصالح ومات كمدا بعد مرض شديد، فاتفقت سريته شجرة الدر مع الأمير فخر الدين رئيس الجند ومع جمال الدين الخصي الأول بالقصر على إخفاء موته وحفظ المملكة لولده منها؛ الملك المعظم توران شاه، وأرسلت إليه بأن يحضر سريعا من بلاد الشام؛ ففي أثناء تلك المدة كان قد وقع بين المسلمين والفرنج واقعة عظيمة بجهة المنصورة انتصر فيها المسلمون بهمة المماليك بعد مقاومة شديدة، ومات فيها الأمير فخر الدين، فلما حضر ابن الملك الصالح توران شاه هزم الفرنج بعد عدة وقائع شر هزيمة بجهة فارسكور، فأسر منهم عشرين ألفا مع ملك فرنسا وأمرائه وخواصه، فبعد هذا النصر العظيم أشهر موت الملك الصالح وتولية ابنه الملك المعظم غياث الدين توران شاه، فلم يحكم سوى شهر تقريبا ثم قامت عليه المماليك في آخر محرم سنة 648 وقتلوه، فمات في عنفوان شبابه، وبموته انتهت الدولة الأيوبية الفاخرة، وابتدأت دولة المماليك.
المطلب الثاني
في ذكر الملك صلاح الدين وبناء قلعة الجبل
هذا الملك هو رأس الدولة الأيوبية، استولى على بلاد مصر سنة 567 وهو عامل لنور الدين، فلما مات نور الدين سنة 569، وخلفه ابنه الملك الصالح وعمره إحدى عشرة سنة خرج صلاح الدين إلى الشام مظهرا طاعة الملك الصالح، وأنه خرج لحفظ بلاده عليه من الفرنج واستعادة ما أخذه منه ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل من البلاد الجزرية، فاستولى على دمشق وحمص وحماة وبعلبك، ثم تخلف عما كان يظهر ورحل إلى حلب وحاصرها وبها الملك الصالح ابن نور الدين، فلم يتمكن من فتحها، بل تركها بعد أن حصل الصلح بينهما، وسار إلى مصر فدخلها سنة 572 وأمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة التي على جبل المقطم.
وكان صلاح الدين كلما تغيب في فتوحاته يستعمل مكانه نائبه الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وهو خصي أبيض، كان يصدر إليه صلاح الدين الأوامر فيجريها بكل همة ونشاط، وهو الذي كلفه صلاح الدين ببناء المدارس وتصليح الجسور وحفر الترع وبناء القناطر وتشييد العمائر في القاهرة وكافة الإصلاحات التي حدثت في مصر، ومن أعظم مآثر صلاح الدين القلعة التي توجد لغاية أيامنا هذه في القاهرة؛ فإنه هو الذي أمر ببنائها، وشيد فيها دارا عظيمة جعلها محل إقامته، وحفر البئر العميقة التي بها إلى الآن المعروفة ببئر يوسف، وهي يبلغ عمقها 88 مترا ونصفا، وكان حفرها لاحتياج الخفر إليها، وقد استعمل لتلك العمائر أحجار الآثارات القديمة؛ فإنه هدم الأهرام الصغيرة التي كانت بأرض مصر، وبنى بأحجارها القلعة وسور القاهرة وبقية المباني المذكورة، ثم سار صلاح الدين من مصر سنة 578 هجرية بعد موت سيف الدين غازي والملك الصالح ابن نور الدين لما علم باتحاد أمراء الشام وأهل الموصل مع الفرنج ضده، فأغار على بلاد الشام وأرض الجزيرة، وتملك على عدة حصون بها، ثم احتل مدينة حلب وأقطعها أخاه الملك العادل، ونهب مدنا كثيرة من بلاد الشام، ثم رجع إلى أرض الجزيرة، وحاصر الموصل فلم يتمكن منها بسبب مرضه، واستقر الصلح بينه وبين صاحب الموصل بأن يسلم له صاحب الموصل شهرزور وأعمالها، وأن يخطب له ويضرب اسمه على الدراهم، فالتفت صلاح الدين حينئذ إلى محاربة الفرنج، فانقلب إلى بلاد الشام وهزم الفرنج وأخذ منهم صفورية وطبرية وعكا وقيسارية وحيفا ويافا وصيدا وبيروت وعسقلان.
ثم عزم على فتح مدينة بيت المقدس، فنزل عليها في رجب سنة 583، وضيق عليها الحصار، فاستأمنه الفرنج الذين بها فأمنهم بشرط أن يدفعوا في مدة أربعين يوما عشرة دنانير عن كل رجل، وخمسة عن كل امرأة، ودينارين عن كل طفل، ومن لم يؤد ذلك في المدة المذكورة صار مملوكا، وسلمت المدينة في يوم الجمعة 27 من الشهر المذكور، فلما فتح القدس بعث الفرنج إلى بلادهم بخبر بيت المقدس، فقام ملك الفرنسيس وملك الإنكليز وملك الألمان، وساروا إلى بلاد الشام، ونزلوا على عكا وحاصروها ثم تملكوها بعد قتال شديد مع صلاح الدين، ثم بعد عدة وقائع أخر أرسل الفرنج إلى صلاح الدين في أن يعقد معهم هدنة، فعقد معهم الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا مع أعمالها، وأن تكون عسقلان خرابا وأذن للفرنج في زيارة القدس، ثم رجع صلاح الدين إلى دمشق فمرض بها مرضا شديدا بقي به ثمانية أيام، ثم مات بعد أن حكم أربعا وعشرين سنة وله من العمر سبع وخمسون سنة، وترك من الأولاد ستة عشر ابنا وبنتا واحدة، فتزوجت ابن عمها نصر الدين ابن سيف الدين الذي تلقب من وقتئذ بالملك الكامل، وكانت وفاته يوم الجمعة 27 صفر سنة 589، فحزن عليه جميع الشرق، واجتمع بدمشق جميع الأمراء المجاورين له لتشييع جنازته، وقد كان حليما كريما حسن الأخلاق متواضعا صبورا ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة، اتفق على مدحه جميع المؤرخين من عرب وإفرنج.