وانتزعت الشوكة من المستنصر كلية، فلم يبق تحت طاعته عسكر واحد ولا في تصرفه دينار واحد، ولم يكتف ناصر الدولة بذلك، بل أراد أن يجعله من الخلافة أيضا، غير انه اختلف عليه بعض الأتراك وتحزبوا مع المستنصر، فحاربه المستنصر بهم وهزمه، فالتجأ إلى الإسكندرية واستقل بالوجه البحري وخطب فيه للعباسيين، ثم وقع بمصر غلاء كثير ومجاعة عظيمة كانت شدتها سنة 462ه، فبيع الأردب القمح بمائة دينار والبيضة بدينار والقط بثلاثة دنانير والكلب بخمسة، حتى تعذر على الأغنياء فضلا عن الفقراء الحصول على أقل المأكولات، وصار أهالي القاهرة يأكل بعضهم بعضا، وقد لحق القحط الخليفة كغيره؛ فباع ما بقي عند من الجواهر والحلي حتى ملابس حريمه بأبخس الأثمان من شدة الجوع، وقد صحب هذا القحط الطاعون كما هي العادة؛ فكانت الأموات تعد بالألوف حتى خلت القاهرة من سكانها؛ فإن من بقي له مقدرة على المشي ترك المدينة، وذهب إلى الخلاء قاصدا جهة الشام.
أما ناصر الدولة فقد حجز غلال الوجه البحري عن القاهرة، ثم أتى لمحاصرتها بعد أن حرق كل ما في طريقه، فلم يقدر الخليفة على مقاومته فخضع له، فلما دخل ناصر الدولة القاهرة عزم على أن يلزم الخليفة بغرامة الحرب، فاستقبله المستنصر في قصر متخرب جالسا على حصير خشن وليس عليه إلا قفطان قديم، وما عنده من الخدم سوى ثلاثة عبيد عرايا قد بلغوا من العمر أرذله، وقال له: ما تريد مني؟! أنت تعلم أنك لم تبق لي شيئا، فإن أردت ثيابي الرثة وحصيري وعبيدي الثلاثة فخذهم أيضا، فخجل ناصر الدولة، ورتب له مائة دينار شهريا لمؤنته. واستمر ناصر الدولة في السلطة حتى قتله صهره الدقوز واستولى هو عليها، فلما تعب المستنصر من الأتراك دعا بدر الجمالي أمير دمشق بالحضور إلى مصر ليسلمه أمورها فحضر من الشام بمن انتخبهم من جنوده من طريق البحر الأبيض المتوسط، ولما وصل إلى القاهرة صنع وليمة، وعزم فيها رؤساء الأتراك، وأجرى فيهم مذبحة عظيمة، ثم أمر بقتل كل من كان تحزب معهم أو ساعدهم، فخلع عليه المستنصر خلع الوزارة، ولقبه أمير الجيوش، وقلده وزارة مصر الإدارية والعسكرية، فعدل في الرعية وأصلح البلاد ورد إليها رونقها القديم؛ فقد وجه أنظاره إلى التجارة والزراعة؛ فأعاد الفلاحين إلى زراعتهم، ورفع عنهم الضرائب مدة ثلاث سنين حتى ترجع للأرض خصوبتها، وشجع الصناع والتجار، فعادوا إلى المدينة بعد أن كانوا خرجوا منها، وهو الذي شيد بالقاهرة باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح والسور المتصل بها، ثم مات هو والمستنصر في ذي الحجة سنة 487ه، فمن بعدهما ابتدأت الحروب الصليبية؛ فكانت هي الشاغل الوحيد للخلفاء الفاطميين المستعلي بالله والآمر بالله والحافظ لدين الله والظافر بأمر الله والفائز بنصر الله والعاضد لدين الله، ولوزرائهم الذين لا تزال السلطة في مصر بأيديهم إلى أن انقرضت الدولة سنة 567ه في أيام العاضد لدين الله آخر خلفائها؛ فقامت بمصر حينئذ الدولة الأيوبية بظهور صلاح الدين يوسف بن أيوب.
المطلب الثاني
في استيلاء الفاطميين على مصر وتأسيس القاهرة والجامع الأزهر
قد كان استيلاء الفاطميين على مصر في عهد المعز لدين الله معد أبي تميم رابع خلفائهم بالمغرب، الذي تولى الخلافة بعد موت أبيه المنصور سنة 341؛ وذلك أنه لما كتب له أعيان مصر في التملك عليها سير إليها جوهر الصقلي قائد الجيوش الفاطمية، فانتهز جوهر فرصة الشقاق الذي كان بين الأمراء الإخشيديين، واستعد لفتوح باقي البلاد المصرية بالقوة والغلبة، فقدم مصر في شعبان سنة 358، ولما وصل الجيزة عبر الجسر ونزل في شمال الفسطاط بموضع القاهرة، وأناخ هناك بمن معه من الجند، ففتح له أهالي الفسطاط أبوابها، فتملك على المدينة في شهر رمضان من تلك السنة وأقام الخطبة للمعز لدين الله في الجامع العتيق جامع عمرو في شهر شوال من السنة المذكورة، فكان ذلك دلالة على تمام فتوح مصر، فلما تم له فتوح مصر بلا ضرب ولا طعن واستقر بها وثبت قدمه فيها أغار على بلاد الشام، وضمها إلى ممالك المعز التي كانت تمتد بأفريقيا من مصر إلى الأقيانوس الأطلانطيقي وبجزائر البحر الأبيض المتوسط، فاتسعت حينئذ دائرة ملك الدولة الفاطمية وعظمت شوكتها.