الباب الثاني
| في الدول التي حكمت مصر مستقلة، وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
وفيه مطلبان:
المطلب الأول في الدولة الفاطمية
قد نشأت هذه الدولة ببلاد المغرب حين اضطربت أحوال الدولة الأغلبية بها؛ فإن قوما من الشيعة منهم أبو عبد الله الشيعي تمكنوا من إشهار الدعوة لآل البيت بتلك البلاد بمساعدة الأدارسة لهم، وبايعوا رجلا يدعى عبيد الله من قبيلة كتامة القاطنة بجوار مدينة سلجماسة في الغرب الأقصى، يدعي أنه المهدي وأنه ينتسب إلى علي وفاطمة، فنبغت هذه الدولة الفاطمية أو العلوية المسماة أيضا بالعبيدية بالقيروان سنة 296ه بعد قلب دولة الأغالبة في أيام الخليفة العباسي المقتدر بالله، وقد عزا عبيد الله لنفسه الأحقية في الخلافة فتلقب بأمير المؤمنين، وعمل على محو إمامة العباسيين؛ فبعد أن وطد سلطته على صقلية وسردينيا المفتتحتان في أيام الدولة الأغلبية، وضرب الجزية على أمير الأدارسة بالغرب الأقصى وعلى العائلات المستقلة بمكناسة وسلجماسة وغيرهما، وجه أنظاره إلى مصر. غير أنه لم يمكنه أن يتملك على أكثر من صحراء ليبيا وبرقة، وترك إتمام مشروعه إلى خلفائه؛ فاهتم القائم بأمر الله ثم المنصور في أخذها من الإخشيديين فلم يمكنهما؛ غير أنهما تملكا على بعض بلادها ، فلما خلفهما المعز لدين الله تمكن من فتوح مصر على يد قائده جوهر سنة 358ه، فكان هو أول الخلفاء الفاطميين بمصر ورابعهم بالمغرب، وهم أربعة عشر، استقر منهم بمصر أحد عشر؛ من أول المعز حيث انتقل إليها بعائلته، وأما الثلاثة الأول فكان مركز حكومتهم بالمهدية التي أسسها عبيد الله المهدي بعد أن تملك على القيروان على بعد خمسة وخمسين فرسخا من تونس، وانتقل إليها، وقد امتدت سلطة هذه الدولة بعد تملكها على مصر والشام على جزء من أرض الجزيرة ومن بلاد العرب. وقد أحسن المعز لدين الله ثم ابنه العزيز بالله التصرف.
وأما الحاكم بأمر الله الذي خلفهما فكان من أسوأ الملوك؛ قضى على رعيته في مدة الأربع والعشرين سنة التي حكمها بأدنى الطاعة وأذل الخضوع؛ فقد كان الكل يرتجف أمامه لوجود العبيد مسلحة حوله مستعدة لقتل كل من يقع منه ما لا يستحسنه، وكان رديء السيرة؛ كل أفعاله محض اختلال؛ فقد أمر مرة بإحراق القاهرة ليتمتع بمشاهدة مدينة تحترق، وأخرى سمح لعساكره بنهب المدينة، وكثيرا ما كان يضطهد اليهود والنصارى حتى يخرجوا عن أديانهم ثم يسمح لهم بالعود إليها، وقد أمر الناس بسب الصحابة ثم منع سبهم وعاقب من يسبهم أشد العقاب، وهكذا كانت أفعاله تشهد عليه بالجنون والزندقة، وله في الأضاليل مذهب معروف؛ وهو الذي بنى الجامع المسمى باسمه بالقرب من باب الفتوح، وقد قتل بالجبل المقطم سنة 411ه، فخلفه ابنه الظاهر لإعزاز دين الله، ثم المستنصر بالله بن الطاهر وله من العمر سبع سنوات، فطالت مدته ومكنت نحو الستين سنة، وهي مدة لم يحكمها خليفة غيره؛ إلا أن أيامه كانت أسوأ الأيام وأشدها على الأهالي ضنكا وبؤسا؛ فإنها كانت كلها فتن وحروب داخلية وخارجية وقحط وغلاء، وفيها انفصل عن مصر الشام وغيرها من الولايات التابعة لها، وكانت أمه جارية سوداء باعها إلى الخليفة الظاهر رجل يهودي يدعى أبا سعيد سهل، فلما تولى الخلافة ابنها أدخلت بائعها في الملك، واتخذته مستشارا لها، وصارت تعمل معه الدسائس على خلع الوزراء وتوليتهم ، فكثر تغييرهم، فأهملت الأشغال وصار ينقص إيراد الحكومة يوما فيوما وتزداد مصاريفها، وصارت جميع ولايات المملكة في حالة يرثى لها من الفقر ونقص السكان، ومما أوقع مصر في الاضمحلال الكلي والفاقة الكبرى المشاجرات التي وقعت بين العساكر وخفراء القاهرة، وكان ذلك الخفر مكونا من عساكر عبيد تحت حمى الملكة أم الخليفة ومن عساكر أتراك مكونين لمعظم الجيش، وكان المستنصر في كل سنة في زمن الحج يظهر أنه يريد الحج فيخرج من القاهرة مصحوبا بكثير من الرجال والنساء ومعه الأبواق والنوبات، ويذهب إلى بركة الحج مجمع الحجاج فيفرق على عساكره نبيذا ويبيتون سكارى ثم يعود إلى قصره؛ ففي بعض السنين بينما هم في هذا الانهماك إذ ضرب أحد العسكر الأتراك السكارى واحدا من العبيد، فقبض أصحاب العبد على التركي وقتلوه، فانتشبت الحرب بين الأتراك والعبيد، ووقعت بينهم حروب عديدة كانت نتيجتها أن أفنى الأتراك العبيد واستولوا على السلطة، وصار الخليفة حقيقة هو رئيسهم ناصر الدولة، وضيقوا على الخليفة؛ فلا زالوا يطلبون منه زيادة ماهياتهم حتى نفدت جميع أمواله، فنهبوا قصره حينئذ، وأخذوا ما فيه من أمتعة وحلي، وكان الخليفة ووزيره يحضران هذا السلب باكيي العين، ولم يجسر أحدهما أن يتكلم، وقد خربوا الكتبخانة العظيمة؛ فأعدموا منها مائة وعشرين ألف كتاب من الكتب النفيسة التي بخط اليد، وأخذ العربان كثيرا من المجلدات الحسنة التجليد، وصاروا يعملون من جلدها نعالا.