تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم خلفه ابنه خمارويه، وكان يلقب أبا الجيش، فأخذ في تدبير الأحكام، ولم يغير شيئا مما كان على أيام أبيه، بل أبقى الرتب والوظائف على حالها، وأرسل مراكب حربية تجول في سواحل الشام ليتأكد من تحصينها، ثم التفت للأمور الداخلية؛ فزاد في قصر أبيه، وجعل الميدان كله بستانا زرع فيه أنواع الأزهار والأشجار، واتخذ في هذا البستان برجا من خشب وضع فيه جميع أنواع الطيور المستحسنة الحسنة الصوت وغير ذلك، وعمل ميدانا غيره أكبر منه، واقتنى كثيرا من الخيول للسباق، وكثيرا من الحيوانات المفترسة وغيرها كالسبع والنمر والفيل والزرافة وغير ذلك. ثم لما تولى الخلافة المعتضد بالله أراد خمارويه تحسين العلائق بينه وبين هذا الخليفة ليزيل ما كان حصل بينهما من الخلاف أيام الخليفة السابق، فأرسل إليه هدايا كثيرة ووعده بأن يدفع له سنويا مائتي ألف دينار خراجا خلاف المائة ألف دينار المتأخرة من السنين الماضية، وعرض عليه ابنته قطر الندى زوجة لابنه ولي العهد، فقبل منه الخليفة ذلك. غير أنه اتخذ قطر الندى زوجة لنفسه، فلما وقعت المصاهرة بينهما لم يدفع خمارويه شيئا من الخراج بعد الذي دفعه في المرة الأولى، ثم بعد موته خلفه ابنه جيش الملقب أبا العساكر، فلم يلبث أن قامت عليه العساكر فقتلوه وأقاموا مكانه أخاه هارون، فكثر في أيامه الاختلال وعدم النظام، وكادت أن تخرج عن طاعته جميع الولايات التابعة له، فخضع للخليفة المعتضد ودفع له سنويا مليون دينار خراجا، فلما مات المعتضد وخلفه ابنه المكتفي بالله أرسل محمد بن سليمان بجيش إلى بلاد الشام فاستولى عليها، ثم دخل مصر فأراد هارون مقاومته غير أن عمه أبا المغازي شيبان حرض عليه العساكر فقتلوه، ثم أراد أن يجلس مكانه ويدافع عن مصر، فلم يمكنه؛ لأن أمراء جيوشه كانوا قد تعاهدوا مع محمد قائد الخليفة وتركوه فالتزم بالهروب لكنه قتل في هروبه، فكان هو آخر من حكم مصر من الطولونيين، فانتهت حينئذ العائلة الطولونية، ودخلت مصر ثانيا تحت حكم العباسيين، فلم تزل تحت سلطتهم حتى استقل بها محمد الإخشيد وأسس فيها العائلة الإخشيدية.

الفرع الثاني في الدولة الإخشيدية

حكمت هذه الدولة أربعا وثلاثين سنة (324-358ه)، وأمراؤها خمسة؛ أولهم أبو بكر محمد بن طفج الملقب بالإخشيد، الذي أرسله الراضي بالله إلى مصر ليكون عاملا عليها من قبله فاستقل بها وانفرد بتدبير أمورها لما رأى اضمحلال الخلافة العباسية واختلال أمورها، وقد امتدت سلطته على الشام أيضا، ومات فيها بمدينة دمشق، ودفن بأورشليم؛ أي بيت المقدس، ثم خلفه ابنه أبو القاسم أنوجور، وكان حديث السن فكفله كافور وزير أبيه وأحد معاتيقه، وكان عبدا أسود لكنه زكي ذو همة ونشاط، نفع الإخشيد كثيرا، ولم يكن له غاية إلا عظم شأن أمرائه وخير مصر، فصارت الكلمة له واستتبت الراحة في البلاد بحسن تدبيره، ورد عن مصر أعداءها، وأخذ قلعة إبريم التي على بعد خمسين فرسخا من جنوب أصوان من ملك النوبة الذي كان أغار على أصوان ونهبها في تلك الأيام.

ولما مات أبو القاسم خلفه أخوه علي الملقب أبا الحسن، ولم تزل الكلمة لكافور، ثم بعد موت علي تولى كافور فاعترف بالتبعية للخليفة العباسي المطيع لله الذي هو آخر من تبعته مصر من العباسيين، فأقره الخليفة على ولاية مصر، ثم خلفه بعد موته أبو الفوارس أحمد بن علي، فنازعه في الملك أحد أقاربه المدعو حسين، فاضطربت أحوال الديار المصرية؛ حيث انقسمت مصر إلى جزأين، ووقعت فيها المنافسات الشديدة والحروب الداخلية، فكاتب أعيان مصر الخلفاء الفاطميين بالمغرب في التملك عليها، وكان إذ ذاك في حوزتهم من بلادها الإسكندرية والفيوم وجزء عظيم من الصعيد، فأرسل إليها المعز جيشا لتتميم فتوحها تحت رئاسة جوهر الصقلي، فقصد جوهر الفسطاط وأسر حسينا، وخلع أحمد أبا الفوارس، وخطب باسم الخليفة الفاطمي، فانتهت حينئذ العائلة الإخشيدية، وقام بمصر دولة الفواطم.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٢١