المطلب الرابع
في الدولتين الطولونية والإخشيدية، وفيه فرعان
لم تكن هاتان الدولتان من الدول الملوكية، وإنما هما عائلتان أصلهما من عمال الدولة العباسية على مصر، فاستقلتا بها كما استقل غيرهما من العائلات التي ذكرناها في جميع أنحاء الدولة العباسية، فكان أمراؤهما يعترفون بالتبعية للخلفاء ظاهرا وقد نبذوا طاعتهم باطنا، واستقلوا بإدارة البلاد وانفردوا بتدبيرها؛ ولذلك يعد زمن حكم العائلتين المذكورتين في مصر في مدة حكم الدولة العباسية عليها، وقد امتدت سلطتهما على مصر والشام وأرض الجزيرة لغاية نهر الفرات وعلى جزء من بلاد العرب أيضا.
الفرع الأول في الدولة الطولونية
حكمت هذه الدولة نحو السبعة وثلاثين سنة (255-292ه) تحت حكم خمسة أمراء من ذرية طولون؛ وهو مملوك تركستاني أسر في إحدى المواقع الحربية وجيء به إلى ابن أسد الصمامي عامل المأمون على بخارى، فأرسله ابن أسد إلى المأمون ضمن المماليك الذين أرسلهم إليه سنة 200 هجرية، فأعجب المأمون تناسب أعضائه وقوة بنيته فألحقه بحاشيته، وما زال يرقيه حتى جعله رئيس حرسه ولقبه بأمير الستر، فصرف طولون نحوا من عشرين سنة في هذا المنصب في أيام المأمون والمعتصم، فلما توفي في أيام المتوكل على الله سنة 239 هجرية رأى الخليفة في ابنه أحمد المولود سنة 220 هجرية اللياقة للقيام مقام أبيه في إمارة الستر، ولو أنه لم يبلغ التاسعة عشرة من العمر.
وكان أحمد قد تعلم وتربى تربية حسنة حتى اشتهر بالعلم والشجاعة والتقوى، فأحبه كثير من العلماء ومال إليه كثير من الأتراك؛ منهم ياركوج من كبراء حرس الخليفة فزوجه بابنته، وهي التي رزق منها بابنه عباس، وقد شب أحمد بن طولون بين الدسائس والثورات التي كانت للأتراك، ولكنه لم يتداخل فيها قط، بل عكف على توسيع معارفه والاشتغال بالعلم، فسار يسافر إلى طرسوس بآسيا الصغرى لتلقي العلوم بمدارسها، وقد صادف أثناء رجوعه من طرسوس إلى سامر أن هجم بعض العربان على القافلة ليسلبوا منها أموالا كانت محمولة إلى الخليفة المستعين بالله، فحمل عليهم أحمد بعزم شديد وردهم على أعقابهم واستخلص منهم أموال الخليفة، وكان عمره إذ ذاك تسعا وعشرين سنة، فلما وصل الركب إلى سامرا وبلغ الخليفة الخبر أعطاه ألف دينار، ووهبه إحدى جواريه المسماة مية التي ولدت له ابنه الثاني خمارويه سنة 250 هجرية، وكان ذلك مبدأ شهرته وظهوره، فلما تولى بابكيال أحد رؤساء الأتراك عاملا على مصر من قبل الخليفة المعتز بالله سنة 254 هجرية لم يرغب هذا العامل في أن يترك بغداد محل نفوذه ويذهب إلى مصر، فاستخلف عليها أحمد بن المدبر وأحمد بن طولون، وقسم بينهما إدارة البلاد؛ فأعطى أحمد بن المدبر جباية الأموال، وأعطى أحمد بن طولون باقي الوظائف عسكرية وإدارية، وجعله نائبا عنه، فحضر ابن المدبر إلى مصر قبل مجيء ابن طولون إليها، فاضطهد الأهالي كثيرا، وثقل عليهم الضرائب؛ وذلك أنه ابتدع في مصر بدعا استمرت من بعده؛ فقد أحاط بالنطرون وحجز عليه بعدما كان مباحا لجميع الناس، وقرر على الكلأ الذي ترعاه البهائم مالا سماه المراعي، وقرر على ما يطعمه الله من البحر مالا سماه المصائد، فانقسم مال مصر إلى خراجي وهلالي.
أما الخراجي فهو ما يؤخذ مسانهة من الأراضي التي تزرع حبوبا ونخلا وعنبا وفاكهة، وما يؤخذ من الفلاحين هدية مثل الغنم والدجاج وغيره من جهة الريف، وأما الهلالي فعلى نوعين سماهما بالمرافق والمعاون، وهو ما يؤخذ من الضرائب على مثل ما ابتدعه ابن المدبر كما تقدم؛ فكره الأهلون هذه المعاملة، وجعلوا يسعون إلى الكيدية، وكان عالما بذلك، فجعل في حاشيته الخاصة نحوا من مائة غلام هندي ممتازين بالقوة والشجاعة كانوا يرافقونه إلى حيث توجه، فلما قدم ابن طولون إلى مصر ليستلم زمامها خرج لمقابلته ابن المدبر بحرسه، وأهدى إليه هدايا قيمتها عشرة آلاف دينار، فردها عليه ابن طولون وطلب منه عوضا عنها المائة غلام، فلم يجد بدا ابن المدبر من أن يبعثها إليه، فتحولت هيبة ابن المدبر إلى ابن طولون؛ حيث انتقلت السلطة إليه وصارت تزداد شوكته شيئا فشيئا بتطهيره مصر من عصاتها، ثم استخلف أخاه موسى بن طولون على مصر، وخرج في جيش بأمر الخليفة المعتمد على الله لمحاربة عيسى بن الشيخ أمير الشام، حيث كان استولى على أموال مرسلة إلى الخليفة من مصر، ولكنه وصله وهو في الطريق كتاب من الخليفة يأمره بالعود إلى مصر؛ حيث أرسل عوضا عنه لمحاربة عيسى بن الشيخ أماجور التركي، فلما عاد ابن طولون إلى مصر عزم على الاستقلال بها، فشرع في تحصين البلاد وجمع الأموال، وأكثر من العسكر وآلات الحرب، فضاقت عليه العسكر محل إقامته، فانتقل منها إلى هضبة جبل يشكر الممتدة في شرق الفسطاط لغاية أسفل الجبل المقطم، فأسس فيها مدينة جديدة سماها القطائع؛ لأنه كان أقطع رؤساء جيشه أرضها فقسمها بينهم، وكلفهم بأن يبنوا فيها مساكن كل في إقطاعه، فشيدوا بها مساجد وحمامات وبساتين وبيوتا وأسواقا ومعامل ودكاكين وخانات، وقد اتخذ بها أحمد بن طولون ميدانا للجيش، وأسس فيه قصره فسمي بالميدان، فلما كانت سنة 257 هجرية ولى المعتمد بن المتوكل على الله ياركوج صهر أحمد بن طولون أبا زوجته عاملا على مصر بعد موت بابكيال، فصار أحمد بن طولون نائبا عموميا عنه، ثم مات هذا العامل في السنة الثانية، فتحصل ابن طولون على أمر من الخليفة بتقليده ولاية مصر، فلما انفرد بإدارتها خفف على الأهالي الضرائب الباهظة التي كانوا يؤدونها، فألغى الخراج الهلالي الذي وضعه ابن المدبر، وأصلح مقياس النيل الذي بالروضة، وأسس إسبتالية في العسكر، وكانت أول إسبتالية أسست في مصر، وأمر بإصلاح منارة الإسكندرية وصهاريجها، وأوصل مياه النيل إليها، وشيد بالقطائع جامعه المسمى باسمه، فأتم بناءه في سنتين، ولم يدخل في بنائه شيئا يحترق أو تفسده الرطوبة؛ فهو مبني بالجبس والطوب الأحمر فقط، ثم تملك على بلاد الشام؛ مع مضادة الموفق أخي الخليفة له، ثم توفي في ذي القعدة سنة 270ه، ودفن بالجبل المقطم، وترك شيئا كثيرا من آلات الحرب ومن الخيل والعبيد، وترك من الأولاد ثلاثين ولدا منهم سبعة عشر ذكورا وثلاث عشرة إناثا؛ مع أنه لم يبلغ من العمر خمسين سنة.