تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المطلب الثاني

في ذكر مصر في عهد الدولة الأموية

ولما آل أمر الخلافة إلى بني أمية دخلت مصر تحت حكم هذه الدولة أيضا، فكان يرسل إليها عمال من طرف الخلفاء ينتخبون أحيانا من أعضاء عائلة الخلافة، وكان مقرهم بمدينة الفسطاط عاصمة مصر في عهد هذه الدولة أيضا، إلا أن الخلفاء كانوا يسرعون في تغييرهم خوفا من أن يستقلوا بالبلاد إذا أقاموا فيها زمنا طويلا؛ فلكثرة تغييرهم كانت البلاد دائما في حالة تقلب واختلاف لم يستقر لها حال؛ ولذا لم نجد شيئا يستحق الذكر في حكم أغلبهم؛ فإن الواحد منهم كان يحضر إلى مصر ثم يصرف عنها بدون أن يبدي فيها شيئا، وقد اشتهر بعضهم بالعدل والإنصاف، والبعض - وهو الأكثر - بالجور والاعتساف.

وكان أشهر من يؤثر عنه بعض الحوادث منهم عبد العزيز بن مروان الذي ولاه عليها أبوه مروان بن الحكم رابع خلفاء هذه الدولة، وأقام بها أكثر من عشرين سنة، فلم تر مصر راحة ولا أمنا كما رأت في أيامه، وهو الذي بنى مقياس النيل الذي كان بحلوان؛ أول مقياس للنيل بناه المسلمون في مصر، وقد تولى بعده على مصر ابن أخيه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فجعلت في أيامه الكتابة في دواوين مصر باللغة العربية بعد أن كانت لا تزال إلى ذاك الحين باللغة القبطية، ثم أسامة بن يزيد الذي ولاه عليها سليمان بن عبد الملك سابع خلفاء هذه الدولة، ولقبه أمير الخراج، فقاست منه الأهالي جميع أنواع الظلم والجور، فإنه لم يهتم إلا في جمع الأموال ولو بقوة السلاح، وجعل على كل من سافر بالنيل ضريبة قدرها عشرة دنانير يشتري بها ورقة مرور بالنهر، حتى جلب عليه ذلك سخط جميع الأهالي، وهو الذي بنى سنة 97 هجرية - بإذن من الخليفة المذكور - مقياس النيل الموجود الآن في الجهة الجنوبية من جزيرة الروضة بدلا من المقياس الذي كان بحلوان وانهدم في السنة المذكورة.

الفصل الثالث

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول في الدولة العباسية

أقامت هذه الدولة في الخلافة الإسلامية مدة 524 سنة (132-656ه) جلس في أثنائها على كرسي الخلافة سبعة وثلاثون خليفة، أولهم أبو العباس الملقب بالسفاح الذي تغلب على بني أمية وأخذ منهم الخلافة، وبظهورها ابتدأ عصر التمدن والعلوم والمعارف والآداب والفنون والصناعة والتجارة عند الأمة العربية؛ فإنه وإن كان عندما ظهرت هذه الدولة ابتدأ تجزؤ مملكة العرب، فاستقلت إسبانيا بنفسها لتباعدها عن كرسي المملكة بدون أن تجد مقاومة من العباسيين، ولم تلبث بلاد المغرب أن قام فيها مستقلا: الدولة الأغلبية بالمغرب الأوسط، ثم الدولة الإدريسية بالمغرب الأقصى؛ اللتان قامت على أثرهما الدولة الفاطمية، إلا أن أوائل عصرها كانت أعظم أزمان العرب في الشرف رونقا ورفعة، وقد ابتدأ مجدها من أيام أبي جعفر المنصور ثاني خلفائها الذي أسس مدينة بغداد على شاطئ الدجلة سنة 145 هجرية، فصارت عاصمة المملكة من عهده، ومنها انتشرت جميع العلوم والمعارف في سائر البلاد الإسلامية، ووصلت هذه الدولة إلى أعلى درجة المجد والشوكة في أيام هارون الرشيد خامس خلفائها وابنه المأمون سابعهم؛ فقد كانا من أعظم رجال العصر همة وذكاء وعدلا وحبا للترقي والتمدن والعلوم ونشر المعارف وحماية الصنائع وكل ما يئول لعمار البلاد.

ومن بعدها لم تبق شوكة المملكة إلا مدة يسيرة ثم وقعت الخلافة في الفوضوية، وابتدأ زمن انحطاطها من عهد المتوكل على الله عاشر خلفاء هذه الدولة؛ فإن المماليك الأتراك الذين كان أدخلهم في الحرس الملوكي المعتصم ثامن خلفائها كانوا قد كثروا في بغداد، وقويت سلطتهم فاستولوا على المملكة، وصار بيدهم الحل والعقد والولاية والعزل، ثم زادت شوكتهم فاستضعفوا الخلفاء وسطوا عليهم، فكان الخليفة في يدهم كالأسير؛ إن شاءوا أبقوه، وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه، حتى ضعف أمر الخلفاء عند ولاة الأقاليم، فنبذوا طاعتهم واستبدوا بالأحكام فتجزأت المملكة حينئذ، وظهرت فيها العائلات المستقلة شرقا وغربا؛ فقام في الشرق: الدولة الطاهرية بخراسان، ثم الدولة الصفارية بسجستان وخراسان وطبرستان، ثم الدولة السامانية بخوارزم وما وراء النهر، حتى خرجت جميع آسيا الشرقية من يد الخلفاء. وقام في الغرب: الدولة الطولونية بمصر والشام، حتى عم الاضطراب داخلا وخارجا؛ فكان لا ينقطع من داخل بغداد لوجود الأتراك، ولا من خارجها لكثرة ظهور تلك الإمارات الصغيرة حولها، إما على التعاقب أو في آن واحد، حتى إنه لم تكن أيام الراضي بالله الخليفة العشرين من هذه الدولة إلا وقد أحيطت بغداد من جميع الجهات بإمارات مستقلة؛ فكانت بلاد فارس في يد بني بويه، وأرض الجزيرة وديار بكر في يد بني حمدان، وخراسان وما وراء النهر في يد بني سامان، ومصر والشام في يد الإخشيد، وغير ذلك، ولم يبق في يد الراضي إلا بغداد وما والاها؛ هذا فضلا عن وجود دولتين أخريين يدعيان الحق في الخلافة؛ وهما الدولة المروانية بالأندلس والدولة الفاطمية بالمغرب؛ فكان هاتان الدولتان ينازعانها الإمامة الدينية، والإمارات المذكورة تنازعها السلطة الإدارية التي فقدها الخلفاء كلية حتى في بغداد من عهد الراضي؛ فإنه لخوفه من الأتراك ابتدع وظيفة أمير الأمراء؛ وهي وظيفة وزير أعظم يلقب أمير الأمراء، سلمه الراضي رئاسة الجيوش وإدارة الأموال، حتى صار مطلق التصرف، بيده جميع أمور المملكة، وكان يضاف اسمه إلى اسم الخليفة في الخطبة، فتنازع هذه الوظيفة الأمراء أيضا، فلم تلبث أن وقعت في يد بني بويه، فأقاموا فيها أكثر من مائة سنة، وكانوا هم الحكام في الدولة العباسية حقيقة، ولهم فضل الاستمرار على تنشيط العلوم والمعارف.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ١٧