تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الراضي ومن خلفه فتركوا أمور المملكة واقتصروا على قصورهم، فصارت الخلافة إمامة دينية ليس للخلفاء منها إلا الاسم فقط، حتى إنه عندما قامت الدولة الفاطمية بمصر فيما بعد كانت دولة العرب في الشرق تشتمل على ثلاث ممالك مستقلة: الدولة الفاطمية، وهي تدعي الإمامة أيضا، والدولتان البويهية والسامانية، وهما يعترفان بالإمامة للخلفاء العباسيين الذين حفظوا تلك الإمامة الدينية في بغداد إلى مجيء التتار، وتركوا السلطة الإدارية إلى هاتين الدولتين، ثم إلى الأولى منهما، والدولة الغزنوية التي خلفت الدولة السامانية في آسيا الشرقية، وامتدت من منابع نهر الكنك ونهر السند إلى بحر الخرز ثم إلى الدولة السلجوقية التي خلفتهما وامتدت من حدود الهند إلى بوغاز القسطنطينية ثم تجزأت إلى سلطنات مستقلة، فكان منها سلطنة أيقونية التي صارت تركية آسيا، ونتج عن تجزئها أن حكام الولايات التي كانت تابعة لها المدعوين أتابك؛ أي أمراء استقلوا بولاياتهم، فكان منهم الأتابك عماد الدين زنكي صاحب الموصل أبو نور الدين، فلما قصد بغداد هولاكو أخو مابخوخان ملك التتار والمغول في أيام المستعصم آخر الخلفاء العباسيين ببغداد، وتملك عليها عنوة في صفر سنة 656 هجرية انقرضت الخلافة العباسية من بغداد كلية، وأما بنو العباس فقد انتقلوا إلى مصر واستقروا بها نحو الثلاثة قرون تحت رعاية المماليك، وكان لهم الإمامة وما يتعلق بالأمور الدينية حتى تملك العثمانيون على مصر، فأفضت الخلافة إليهم ولم تزل لسلاطينهم إلى الآن.

المطلب الثاني

في الكلام على تمدن العرب من عهد الدولة العباسية

قد عرفنا ما وصلت إليه دولة العرب من الامتداد والقوة والشوكة في القرن الأول من الهجرة، والآن نتكلم على ما وصلت إليه هذه الأمة من التمدن والمعارف والثروة والرفاهية في القرن الثاني منها، فإن العرب بعد أن فتحوا تلك البلاد الشاسعة، وتحصلوا منها على الأموال الوافرة فترت عندهم تلك الحماسة الأولى فأبطلوا همتهم في الحروب والفتوحات واستعاضوها بمطالعة العلوم ونشر الفنون والصنائع، وصاروا يؤثرون الشغل والتجارة والتمتع بأتعابهم، والسكنى بسلام على الحروب وفتح الممالك، فإن الثروة التي تحصلوا عليها والأموال الوافرة التي صارت بأيديهم عودتهم على الترف ونضارة العيش، فارتاحوا للحياة الرافهة ونعيم الدنيا حتى أسرفوا في التمتع بهما؛ فإن الملكة زبيدة زوجة هارون الرشيد ما كانت تلبس إلا ملابس الحرير، ولا تستعمل إلا أواني الذهب مرصعة بالجواهر النفيسة وأقمشة منسوجة بخيوط من فضة، ويقال: إنه كان يوجد في قصر المأمون من الفرش ثمانية وثلاثون ألف قطعة؛ منها اثنا عشر ألف قطعة وخمسمائة مطرزة بالذهب واثنان وعشرون ألف بساط وسبعة آلاف خصي؛ منهم ثلاثة آلاف من السودان، وغير ذلك من الخدم والمستحفظين، وقد أمر بإقامة شجرة مسمطة من الذهب مرصعة باللؤلؤ على شكل الفاكهة في صالة المقابلة عند مقابلته لسفير الروم.

وهكذا صاروا ينفقون الملايين من الدنانير في بناء المدن اللطيفة والقصور المشيدة والجوامع المزخرفة ويكثرون البذل في عطاياهم وفي حجهم؛ فقد فرق المأمون يوما على خواصه أكثر من أربعمائة ألف دينار، وصرف المهدي في حجة واحدة ستة ملايين دينار. غير أنهم أخذوا ينشطون مع ذلك العلوم والفنون والتجارة، فأول من اعتنى بذلك منهم أبو جعفر المنصور الخليفة الثاني من الدولة العباسية التي بظهورها انقضى عصر الفتوحات، وابتدأ عصر التمدن عند الأمة العربية، ثم حرص على دوام هذه الحركة العلمية خلفاؤه من بعده، حتى إنه لما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم عبد الله المأمون أعظم الخلفاء في المعارف وعلو الفكرة اعتبر المعارف أنها أعظم شيء في سلام الأمة وسعادتها، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، وأكثر من فتوح المدارس وتأسيس الكتبخانات، وجعلها عمومية لكل أحد، وجمع العلماء من يونان وفرس وقبط وكلدان، واستحضر الكتب من سائر البلدان، حتى صارت بغداد مقر المعارف ومركز العلوم، فكان يدخل إليها كل يوم مئات من الجمال محملة بالكتب من جميع الأقطار، وكانوا يترجمون أحسنها إلى اللغة العربية، فترجموا جملة مؤلفات يونانية في الفلسفة والفلك والرياضيات، حتى تقدمت عندهم تلك العلوم واكتشفوا فيها اكتشافات مهمة، وبنوا الرصدخانات، ووضعوها فيها الآلات العظيمة المدهشة للعقول، وقد اجتهدوا كثيرا في تقدم علم الطب، فأسسوا الإسبتاليات، وصاروا يمتحنون الأطباء قبل التصريح لهم بالعلاج، وأسسوا معامل للأجزخانات، واكتشفوا كثيرا من النباتات الطبية، وابتدءوا علم الكيمياء، وقد اهتموا أيضا بالعمارة وفن الموسيقى، وكانوا يشرفون الزراعة.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ١٨