الفصل الثاني
وفيه مطلبان:
المطلب الأول في الدولة الأموية
أقامت هذه الدولة إحدى وتسعين سنة (41-132 هجرية) تحت حكم أربعة عشر خليفة؛ أولهم معاوية بن أبي سفيان الذي كان ولاه عمر بن الخطاب عاملا على بلاد الشام، وأقره عليها عثمان بن عفان مدة خلافته، ثم خرج على علي بن أبي طالب حين تولى الخلافة، ووقعت بينهما حروب عديدة، فلما قتل علي وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة استقر أمرها لمعاوية، فانتقل حينئذ مركز مملكة العرب إلى بلاد الشام بمدينة دمشق، وانحرفت المملكة العربية عن منهج الخلافة البسيط إلى أبهة الملك وعظمته، ثم انتقلت الخلافة أيضا من الحالة الانتخابية إلى الحالة الوراثية؛ حيث عهد بها معاوية إلى ابنه يزيد، فهاجت الأمة الإسلامية حينئذ، ولاقى بنو أمية من أهل العراق والحجاز مقاومة عظيمة؛ فإنه بموت معاوية أحضر أهل العراق الحسين بن علي من المدينة ليبايعوه بالخلافة، فقدم إليهم في سبعين نفرا من عائلته. غير أنه لما وصل إلى الفرات قابلته جيوش يزيد عند كربلا، فأحدقت به من كل جانب، فقتل هناك، وأما أهل المدينة ومكة فبايعوا عبد الله بن الزبير خليفة عليهم، فاستمر الاضطراب والشقاق إلى أن كانت أيام عبد الملك بن مروان خامس خلفاء هذه الدولة، فولى الحجاج بن يوسف عاملا على الحجاز، فحارب عبد الله بن الزبير، حتى ظهر عليه وقتله بمكة، ثم صرفه عبد الملك إلى العراق وخراسان وسجستان، فهدأ تلك البلاد، واستتبت الراحة فيها، وحينئذ تفرغت الأمة العربية للفتوحات ثانيا، فأمر عبد الملك حسنا عامله بمصر بفتوح شمال أفريقيا ثانيا الذي كان فتحه عقبة بن نافع في أيام معاوية، وتغلب عليه البربر ثانيا، ثم لما خلفه ابنه الوليد أذن لعامله على بلاد المغرب موسى بن نصير بأن يفتح بلاد إسبانيا، فأرسل موسى أحد المغاربة المدعو طارق بن زياد بجيش إلى تلك البلاد، ثم لحقه بجيش آخر، فأتما فتوحها ومدا مملكة العرب إلى جبال البرنات التي صارت آخر حدود الدولة العربية من جهة الغرب، فإن العرب لما عبروها ودخلوا فرنسا تحت قيادة عبد الرحمن الذي خلف موسى على ولاية المغرب، لم ينجحوا في مشروعهم؛ لأنهم بعد أن وصلوا إلى أواسط هذه البلاد هزمهم كارلوس مارتللو (شارل مارتل) بين طورس وبواطير، فتقهقروا ثانيا إلى الجبال المذكورة.
وأما من جهة الشرق فقد امتدت المملكة العربية إلى بلاد الهند؛ فإنه في عهد هذا الخليفة أرسل الحجاج محمد بن القاسم الثقفي لفتوح بلاد الهند الشمالية، فعبر محمد نهر السند، ووصل إلى جبال هماليا ونهر الكنك. غير أن العرب لم تحفظ هذه البلاد، فكانت هذه الفتوحات آخر تقدم العرب شرقا وغربا في فتوحاتهم التي انقطعت من يومئذ، وآخر ما وصلت إليه دولتهم من الامتداد، فإنها كانت إذ ذاك في غاية عظمها، ونهاية اتساعها ممتدة من نهر السند ووادي كشمير شرقا إلى الأقيانوس الأطلانطيقي غربا، ومن بلاد التركستان وبحر الخزر وجبال القوقاز والبحر الأبيض المتوسط (الذي يملكون فيه جزائر رودس وقبرص وكريد وجزائر الباليار) وجبال سوينة الجنوبية والبرنات شمالا إلى صحراء أفريقيا، وبلاد الإثيوبية وبحر الهند لغاية مصب نهر السند فيه جنوبا، وهذا الامتداد يبلغ طوله نحو الألف وثمانمائة فرسخا، وهو ما لم تصل إليه دولة قط، وقد وصلت إليه دولة العرب في أقل من مائة سنة.
وبعد أن بلغت دولة بني أمية هذه الدرجة القصوى في أيام الوليد ومن خلفه إلى آخر أولاد عبد الملك، اضطربت أمورها حتى تقوى حزب بني العباس وقدروا أخيرا على إظهار الدعوة لهم بجهة خراسان في أيام مروان الثاني ابن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وبويع بالخلافة لأبي العباس السفاح بالكوفة في ربيع الأول سنة 132ه، فوقعت الحرب بين مروان وأبي العباس عند نهر الزاب بقرب الموصل، فانهزم مروان وهرب إلى مصر، فقبض عليه بأبو صير وقتل، فاستولى على الخلافة حينئذ أبو العباس وأوقع القتل في بني أمية، فلم ينج منهم إلا عبد الرحمن الداخل ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان؛ فإنه هرب إلى بلاد الأندلس، فأسس فيها دولة أموية جديدة بقرطبة تسمى بالدولة المروانية بعد أن انقرضت دولتهم من الشام وظهرت دولة بني العباس.